من بيشاور إلى صيدا - جهاد الزين - النهار
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا شك ان موجة التوتر الاقليمي في الحساسية السنية – الشيعية تتراجع بشكل جدي لأسباب عديدة بعضها – وهذا مطمئن اكثر او اقل مدعاةً للقلق – يتعلق بمتغيرات في الوضع الدولي على رأسه التغيير في الرئاسة الاميركية كما التبلور الانضج في وضع الدولة العراقية الجديدة وتوازناتها عبر عودة "الالتهابات" في الثنائية العربية – الكردية التي تعني تراجع توتر الثنائية السنية – الشيعية (من "حسن الطالع" بسبب غلبة الروح الانفصالية لدى بعض الطبقة السياسية الكردية) واستقرار ملموس في علاقات الشخصيات السنية والشيعية داخل الطبقة السياسية العراقية... اما خارج العراق فأبرز التحولات "اعادة التموضع" التي تقوم بها المملكة العربية السعودية، كما بروز الحاجة العملية الى تحالف اوسع اميركي – باكستاني يلعب فيه الرئيس آصف زرداري دوراً لا لبس فيه ضد "القاعدة" بجناحيها الباكستاني والافغاني... ووراء ومع كل ذلك المزيد من رسوخ الدور التركي كقوة "اتزان مذهبي" في المنطقة يدفع العديدين الى اعادة حساباتهم المبنية على مصالح التوتير السني الشيعي سواء في استراتيجيات بعض الدول او على مستواه "الأهلي" ما دون "الدولتي".
لكن هذا الخط العام لا يمنع استمرار "التفجرات الجزئية" على الخارطة الآسيوية في الحساسية السنية – الشيعية بين الحين والآخر، أمنياً أو سياسياً. فمن سيارات بغداد المفخخة التي تعود بين الحين والآخر كما حصل قبل أيام الى بعض التفجيرات المتبادلة في تجمعات سنية وشيعية في باكستان الى بعض الالتهابات الخطرة احياناً في الشارع البحريني بفعل اندفاعات بعض الرموز الشيعية الى ظهور العلاقات في لبنان بين الحزب الممثل للعصبية السنية، اي "تيار المستقبل" وبين تحالف الحزبين الممثلين والمسيطرين على العصبية الشيعية "أمل" و"حزب الله" باعتبارها "خط تماس" سريع الانكشاف المذهبي وأبرز تجلياته التي كشفت الاحتقان الداخلي وبعض الاقليمي اعلان رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ترشيحه في المقعد السني "الثاني" في صيدا الى جانب بهية الحريري وجه "التيار" في المدينة والرمز الثاني للتنظيم السني الأكبر في لبنان بعد ابن شقيقها. هذا الترشيح الذي يعكس، رغم كل الثرثرات ذات الطابع المحلي اللبناني، معنى في السياق العام للتوترات السنية – الشيعية على مستوى المنطقة. فالجهة الرفيعة المستوى داخل المملكة العربية السعودية التي اجازت الموافقة على ترشيح الرئيس السنيورة تعرف ان الوظيفة الأهم هي الفصل السياسي لصيدا المدينة الوحيدة الكبيرة التي تعيش تحت سقف توافق القوتين الطائفيتين الرئيسيتين في لبنان "الحريرية السعودية" و"الحزب إلهية" الايرانية... فصلها كقوة سياسية قائمة بذاتها.
لكن المشكلة ان انفراط التوافق بين قوتي المدينة السنيتين، الحريرية و"التنظيم الناصري" بزعامة اسامة سعد، سيدخلها على "خط التماس" السني الشيعي وهي الوحيدة، قياساً ببيروت وطرابلس ومناطق الارياف التي بقيت خارجه. بهذا المعنى اول اختراق لمدينة بقيت – على الأقل شكلاً - خارج "خط التماس"، وهكذا مرة أخرى، ولكن على صعيد جديد، يجد فؤاد السنيورة نفسه، برضاه او عدم رضاه، رمزاً اساسياً للتوتر السني مع الشيعية السياسية وجمهورها ضد رموز التوتر الشيعي مع السنية السياسية وجمهورها.
كل هذه البؤر المستجدة او الجديدة من بيشاور الى صيدا مروراً ببغداد لا تمنع رؤية الخط البياني للتوتر المذهبي على انه خط انحسار. وأحياناً تبدو نسبة الاهتمام الاميركي – الاقليمي بالاوضاع الداخلية لبلدان التوتر المذهبي مؤشراً مضللاً. فالاهتمام يفهم منه دلالة على الشدة في حين ان له طابعه السياسي بمعزل عن العامل المذهبي. فعلى طاولة بعض المسؤولين الاميركيين ملفات تفصيلية عن الدوائر الانتخابية في لبنان، واحد الباحثين العرب الذين التقوا مؤخراً العضو البارز في الاقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ الاميركي ريتشارد لوغار فوجئ بضخامة احد هذه الملفات بحيث لا يمكن ان يخطر على بال الكثير من اللبنانيين مدى نوع التفاصيل التي يهتم بها المسؤولون الاميركيون في دوائر انتخابية صغيرة، الأمر نفسه بطبيعة الحال بالنسبة للسعوديين والسوريين والايرانيين والمصريين، الى حد يمكن معه القول ان الانحسار المذهبي العام، لا زال يتعرض لاستثناءات بحكم عدم تخلي الدول المتهادنة – ولاسيما سوريا والسعودية في لبنان - عن استمرار الصراع على البرلمان اللبناني كمصدر من مصادر القرار السياسي الاساسي حتى لو كانت هذه القوى الاقليمية واثقة من مدى سيطرتها المضمونة على التنظيمات الممسكة بالشارعين السني والشيعي.
يعرف الرئيس السنيورة رأيي مباشرة في مسألة مخاطر إدخال صيدا الى "خط التماس" المذهبي منذ خطابه قبل اسابيع في المدينة حتى لو ان احد اصدقائي في محيطه رد وفي حضوره بأن هذا "التماس" موجود أصلاً. أهذه رغبة ام وصف؟
• • •
لا موضوع في المنطقة وخصوصاً في المشرق العربي، أهم من موضوع الحساسية المذهبية، بما فيه لبنان. فمع استحكام النظام الطائفي بصيغته: "الحزب – الطائفة" على الطوائف السنية، الشيعية، الدرزية، لم يعد هناك قضية "مقدسة" أعلى من منع الحرب الأهلية.
لا فرص لـ"الاصلاح" ولا حتى افكار اصلاحية. اذن الاولوية المطلقة للسياسة هي منع انهيار السلم الأهلي. وكل حدث سياسي، صغيراً كان أم كبيراً، يجب قياسه – معيارياً - على هذا الاساس في زمن الفتنة غير الفاتنة الشيعية - السنية التي اطبقت على نظامنا السياسي في صيغته "الأخيرة"!