زمن «الضرر الأقل» - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بعد أن وصلت قضية النفايات إلى ما وصلت إليه من تخبّط واتجاهات كارثية، لا يزال البعض يراهن على ما بقي من الحكومة للخروج من الأزمة، كـ «أبغض الحلال».
كما هناك من يجزم ان يوم غد الأربعاء هو يوم مفصلي لمعرفة أي اتجاه ستسلك قضية النفايات مع انعقاد اجتماع حاسم للجنة الوزارية برئاسة رئيس الحكومة، الذي اعتبر هو نفسه أن لا مبرر لاستمرار الحكومة اذا لم تستطع ان ترفع النفايات من الشوارع.
تقول بعض المصادر الوزارية المشاركة في هذه الاجتماعات، إن العنوان الأساسي الذي يحكم هذه الجولة من المفاوضات والاجتماعات الوزارية في السراي لحل قضية النفايات، هو التضامن الوزاري واتفاق جميع الأطراف على الحل، دون استثناء، لاسيما الأحزاب والتكتلات الممثلة في السلطة. ويعتبر البعض، بحسب التجارب السابقة، أن لغة المزايدات والشعبوية واللعب على عواطف الشارع هي التي أفشلت كل المحاولات السابقة للخروج بحلول ومهما كانت.
فإذا كان صحيحاً أن عدم التضامن الحكومي سبب مشكلة كبيرة في هذا المجال، وأن الفوضى من فوق أنتجت فوضى من تحت، وأن لا حلّ لهذه الفوضى المزمنة من فوق الا بإنتاج أحزاب جديدة وقوانين عادلة للانتخابات وتغيير النظام... لا بأس الآن بالحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية لمن هم في الحكومة، التي لا بديل عنها، في هذه الظروف، لتسيير الحد الأدنى من مقوّمات حياة الناس، «التضامن»، دون مزايدات بهلوانية في السر والعلن، في الشارع او في الإعلام، ووضع الطموحات الاستثمارية جانباً، لحل هذه المشكلة بأقل ضرر ممكن. وهذا ما يتطلب أمرين أساسيين: ان تكون الحلول المقترحة مبنية على مبدأ «الأقل ضرر ممكن» فعلاً، وان لا يصدر عن الأحزاب الممثلة في السلطة أي مواقف او حركات شعبوية واستغلالية للكارثة، في السر او في العلن.
والمعلوم أن حلول الأقل ضرر ممكن، لا تستند الى مصالح قديمة او حديثة، بل الى مبادئ وقوانين وقواعد إدارة الكوارث، على أن تكون مطعّمة بخطوات استراتيجية يُستفاد منها للحلول الاستراتيجية والبعيدة المدى. ولعل القاعدة الأساسية المفترض اعتمادها لإدارة الكارثة الآن والتي تعتبر أقل ضرراً، هي باعتماد الأماكن التي تحتاج الى معالجة أصلاً، لعلاج الأزمة الحالية. وهكذا يمكن تفهم ان تكون المفاوضات في الأيام الأخيرة، بعد أن ضيّعنا الكثير من الوقت على جنون فكرة الترحيل، حول مواقع مثل مطمر الناعمة او مكب برج حمود او مكب الكوستا برافا. على ان تترافق الإجراءات الطارئة في فرز النفايات المتراكمة وطمر المتبقيات في المطامر الجاهزة او وضعها في الأماكن المذكورة لحين تجهيزها... مع البدء بالإجراءات الاستراتيجية لما تطلبه الإدارة المتكاملة من إجراءات التخفيف والفرز وتحديد أماكن لمعامل الفرز والتسبيخ تمهيداً لإجراء مناقصات جديدة لترجمة ذلك... وتأجيل البت بأمر المناقصات المتعلقة بالمحارق التي أعلن عنها الأسبوع الماضي، لحين الاتفاق على استراتيجية متكاملة، لم يتم إنجازها بعد.
في هذه الأثناء، لا حاجة للأحزاب ولاسيما «التاريخية» منها (بمعنى العمر الزمني) أن تقوم بعراضات اليوم من اجل قضية النفايات، وهي لم تناقش يوماً، كما يجب، أي قضية بيئية، لا داخلها (كأحزاب) ولا داخل الحكومات، لا بل أسهمت بشكل مباشر او غير مباشر بإنتاج الصفقات والكوارث. وهي، إن من ناحية العقائد والبرامج، او من ناحية الممارسات، او بحسب آراء ممثليها في الحكومات... ما دون مستوى الخروج بمقترحات حلول بعيدة المدى واستراتيجية. لذلك، لا داعي اليوم لأية مبالغات في الخطابات او في النزول الى الشوارع... لاسيما أن برامجها الحزبية، إن وجدت، تخلو من اية برامج بيئية شاملة ومدروسة. واذا وجد بعضها، فهو بمثابة تمرين لطلاب في الصفوف الابتدائية عندما يجيبون على أسئلة في الامتحانات عن رأيهم بالمشكلة البيئية.
فقضية النفايات لم تعد لعبة يلعب بها هواة الجمعيات او شباب الأحزاب، فهي قد تتسبب بكوارث صحية بالإضافة الى إمكانية أن تتسبب بفتنة مذهبية ومناطقية أكثر من أي موضوع آخر.
ولعل معيار الجدية في التعاطي مع هذه المسألة في الأيام القليلة المقبلة، هو في مدى الخروج بحلول «الأقل ضرر ممكن» وبأكبر تضامن ممكن، على المستوى الحكومي على الأقل، والالتزام بتطبيق قواعد إدارة الكوارث، والتأسيس للانتقال الى مرحلة الإدارة المتكاملة والاستراتيجية الشاملة.