التغيير كآفة - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ما الذي يمكن ان يتغير عندما ننتقل من سنة الى أخرى؟ بالنسبة الى الأحداث فإنها لا تتوقف ولا شيء يتغير في مسارها. بالنسبة الى الطبيعة ومسارها لا شيء يتغير ايضا. أما بالنسبة الى الزمن فإنه يتابع تقدمه من دون توقف ومن دون حساب، مع المحافظة على انتظامه المعتاد ايضا...الخ
ما الذي يتغير اذاً؟ هل هو مجرد تغيير نفسي؟ هل تتغير نفسية الإنسان مطلع كل سنة؟
من الصعب أن يتغير الانسان كل سنة، لا بل قد ينهي الانسان سنين عمره من دون ان يتغير، لا سيما في بنية تفكيره ومعالم شخصيته الأساسية... وربما في عقده شبه التكوينية ايضا. قد يتغير الشعور للحظات. قد تتغير بعض المواقف، اذا حصلت مراجعة عميقة للخيارات، قد تتغير المظاهر وطرق العمل والعيش والترفيه... ولكن الاتجاهات الرئيسية للشخصية الإنسانية لا تتغير، كما هي الحال في الطبيعة الطبيعية.
بالمناسبة، ما معنى التغيير في الطبيعة؟ اذا لاحظنا قوانين الطبيعة وظواهرها، نلحظ ان التغييرات التي تحصل في الطبيعة بين الفصول، هي من ضمن النظام الايكولوجي نفسه، أو من ضمن الأنظمة الطبيعية عامة التي تتغير من ضمن طبيعتها ذاتها. تماما كما لاحظ الفلاسفة القدماء حين تأملوا في التغييرات التي تحصل في المياه الجارية في الأنهر. فالمياه تتدفق وتتغير بسرعة مدهشة، بينما يحافظ النهر على ثباته كمياه يحركها الجريان السريع. صحيح ان المياه المتدفقة تتجدد باستمرار وتتغير، إلا ان مسارها هو نفسه من المصدر الى المصب... والتي ترتبط بحلقة دائرية اكبر وبنظام ايكولوجي كوني دائري أيضا. وهل من حاجة الى برهان الى ان لا تغييرات في النظم الدائرية؟
هل يعني ذلك ان كل النظريات والأفكار الثورية التي انطلقت من فكرة التغيير كقيمة عليا لم تكن على حق؟ ام انها تسببت بالمآسي بدل ان تجلب الخير العام؟
يمكن القول ان التغيير ليس قيمة عليا، لا في الطبيعة ولا في الحياة، حياة العقيدة وحياة البشر. لا في السياسة ولا في المجتمع ولا في السوق.
في السياسة تأسست كل الأفكار الديموقراطية على ضرورة الانتخاب والتغيير. وقد وضعت في الكثير من الأنظمة آليات محددة وفقرات قانونية للتغير، كعدم السماح لرئيس أو ممثل ان يترشح لأكثر من دورة، واعتُبرت مسألة التغيير وما يسمى «تداول السلطة» كمسألة مركزية في الفكر السياسي الحديث. إلا ان هذا المبدأ لم يرق الى مستوى القيمة العليا. وذلك وفق مبدأ بسيط يقول ان التغيير ليس دائما نحو الأفضل.
هذه الخلاصة يمكن ان تنسحب أيضا على المسألة الاجتماعية بالإضافة الى السياسية. فتغيير العلاقات الاجتماعية من الوراثة الى الانتخاب، من العائلة الممتدة الى العائلة النووية، من الجماعة الى الفرد... لم تساهم في توسيع دائرة الأمان الاجتماعي والنفسي.
أما اقتصاد السوق، فقد كان المستفيد شبه الوحيد في فكرة التغيير واعتبارها قيمة عليا. ففكرة «الموضة» التي تتطلب تغييرا مستمرا في الشكل، اعتبرت أيقونة السوق المقدسة.
إلا ان انعكاسات هذه الفكرة ونجاحها في تسويق السلع دائما، أدخلت العالم في دوامة خطيرة جدا، كونها تتطلب زيادة غير محدودة في الإنتاج والاستهلاك، ما يعني زيادة في استغلال موارد الطبيعة، حتى الاستنزاف، وزيادة في إنتاج النفايات بشكل لا حدود له.
هناك من سيسأل عن فوائد التغيير التي حصلت في الغرب وحالة التقدم والانتقال الى نظام الدول المدنية والأنظمة الديموقراطية. حسنا. هل يمكن السؤال أيضا على حساب من حصل هذا التغيير؟ كل التغيير الذي حصل في الدول التي تم تصنيفها على أساس «دول متقدمة» والبعض يستخدم تعبير «متحضرة»، حصل على حساب مقومات الطبيعة ومواردها وعلى حساب شعوب أخرى وبيئتها، بالإضافة الى حساب المناخ العالمي، كما تبين مع قضية تغير المناخ العالمي.
لا يعني هذا التحليل، مجرد التنازل السطحي عن مفهوم الحضارة، انما إعادة تعريف الحضارة وإعادة تعيير قيمها، باعتبارها تقدم نحو حل النزاعات بالطرق السلمية وتأمين أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والبيئية، وحفظ حقوق الانسان والاجيال القادمة وقدرة الطبيعة على التجدد... واحترام مبادئ التعاون والتآخي أمام الصعاب على الأقل.
فهل احترمت حضارات العالم المنتصرة هذه القيم، بالمقارنة مع مدى احترام الهنود الحمر لها على سبيل المثال؟ بالطبع لا. وهل من حاجة الى المزيد من البراهين على ان التغيير ليس قيمة بحد ذاته إذا لم نعرف بأي اتجاه؟