العيش مع «الأقل» كحل لقلة الأخلاق - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
فرضت القضية البيئية بكل أبعادها الوجودية قواعد أخلاقية جديدة، تتجاوز الأخلاق الإنسانية التي عرفتها البشرية بعد طول «ثورات» علمية وفكرية. كانت قمة الأخلاق الإنسانية تقول «لا تفعل مع الآخر ما لا تريد أن يفعله الآخرون معك»، او «افعل مع الآخر كما تحب أن يفعله الآخرون معك». وكان المقصود بـ «الآخر»، الإنسان الآخر. «أخوك الإنسان». إلا أن علم البيئة، الذي بيّن أن الإنسان هو جزء من شبكة الحياة، وسّع من آفاق ومروحة «الآخر»، إذ لم يعد ينحصر بالإنسان الآخر الموجود أمامنا ومعنا، بل بات يشمل الإنسان الآتي والأجيال الآتية أيضاً التي لها حق في الحياة أيضاً وفي العيش وفي الاستفادة من الموارد الأساسية او ما كان يُسمّى تاريخياً بالعناصر الأربعة التي تعتبر من مقومات الحياة (الهواء والماء والتربة والنار). وإذ بيّنت الدراسات والأبحاث البيئية مدى ارتباط الكائن الإنساني بدورة حياة كل الكائنات، توسّعت أكثر وأكثر فكرة «الآخر» حتى باتت تشمل كل الكائنات، التي نعرفها (والتي لا نعرفها) وتتقاسم معنا الحياة ونتقاسم معها وحدة المصير ربما.
فإذا قوّمنا اليوم كيفية تعاملنا مع القضايا وفق هذه القواعد الأخلاقية الجديدة، نكتشف كم نحن لا أخلاقيين في تعاملنا مع مقومات الحياة ومع بعضنا البعض، إذ نتصرف وكأننا الجيل الأخير على هذه البسيطة وليس هناك من يأتي بعدنا. وليس أدل على هذا الموضوع أكثر من قضية النفايات التي باتت تطمرنا وقضية تغيّر المناخ التي تنتظرنا.
فهل من «لا أخلاقية» في التعاطي مع قضية النفايات أكثر من طرح مبدأ «لسنا مزبلة» أو طرح الترحيل إلى الخارج، وكأن مَن هم في «الخارج»، في كوكب آخر! وحتى فكرة ترحيل نفايات حضارتنا إلى كوكب آخر، ليست أخلاقية أيضاً بمعايير علم البيئة إياها. فما الذي نفعله؟ والى أين بعد كل هذه الفوضى في التفكير وهذا الانهيار في المعايير والقيم وهذا الجنون والتهرب من تحمل المسؤوليات والتذاكي والجشع ومحاولات الاستثمار في الأزمات، المكشوفة؟!
المعادلة التي تنتظرنا لحل قضايانا المعاصرة واضحة، سواء في حل قضية النفايات او في حل قضية تغيّر المناخ التي تجتمع دول العالم وقادتها وخبراؤها بعد أيام في باريس للبحث في كيفية التعامل معها. المعادلة هي: لا يمكن حلّ قضايا البيئة عامة وتغيّر المناخ خاصة، التي تحتاج الى «تعاون» الجميع، في ظل اقتصاد ونمط حياة يقوم على «المنافسة». فعبثاً نحاول حل هذا اللغز من دون إجراء تغييرات عميقة في قيم العصر المسيطرة من «تنمية» و «رفاهية» و «تقدم» و «ليبرالية»... وفي الأنماط الإنتاجية والاستهلاكية التي نعيشها. هذه هي أبعاد المشكلة إذا أردنا مقاربتها في العمق ومن جذورها. انطلاقاً من ذلك، فإن اقتراحات مثل الفرز لحل قضية النفايات، او استخدام التكنولوجيا الخضراء للتخفيف من الانبعاثات لحل مشكلة تغير المناخ، لا تعني الا المحافظة على مقومات اقتصاد السوق والنمط الإنتاجي المشكو منه... وهي بمثابة حلول تساير الواقع ولا تغيّره، لا بل تحاول الاستفادة منه بشكل أو بآخر. وهي خيارات فيها الكثير من المساومة التي ستزيد الأمور تعقيداً، يوماً بعد آخر. فزيادة مصانع إعادة التصنيع إذا تم تعميم ثقافة الفرز ستترك آثاراً سلبية جداً على البيئة ولن تحل مشكلة زيادة حجم النفايات، كما أن انتشار مراوح الهواء والسخانات الشمسية لن تحل مشكلة إنتاج الطاقة النظيفة ولن تساهم في حل قضية تغير المناخ، إذا لم يحصل تغيير جوهري في قيمنا وفي أسلوب حياتنا، وإذا لم نستطع فك سحر فكرة «التنمية» (القائمة على زيادة كل شيء من دون حدود)، والتعايش مع فكرة العيش باستهلاك أقل وطاقة أقل (راجع كتاب: «إلى الوراء: في نقد اتجاهات التقدم»).