ماذا بعد مذبحة برج البراجنة؟ - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا مجال للحديث عن مفارقة تستدعيها مذبحة برج البراجنة المروعة، وتسمح بالقول ان لبنان ذاهب الى الحرب بينما تسير سوريا نحو السلم. المذبحة نفسها أكبر وأبشع من ان توضع في اي سياق حربي او تنسب الى أي مسار سياسي. الغريزة او العصبية التي انتجتها تقع خارج المنطق وخارج أبسط قواعد الشعور الانساني. ليس للمذبحة تعريف سوى انها تعبير عن لغة الدم الوحشية ورقصة القبور العدمية، التي تعيد التذكير مرة اخرى، بان لبنان لم يكن يوماً خارج الحرب، وبان سوريا لا تجنح الآن نحو السلم.. وبان داعش يتحول من خرافة الى أسطورة، وتصير محاولة تصفيته من الوجود، راهناً، مناسبة لانفجار البركان من جديد، واطلاق المزيد من الحمم والسيول الحمراء. الحرب تزداد ضراوة في العراق وفي سوريا، ومن البديهي ان يتردد الصدى في الفناء اللبناني الخلفي، الذي لم يعثر على سبيل للنأي بالنفس، او بالاحرى لم يحاول ابداً، بل كان ولا يزال يتباهى بالعكس تماما. ذلك هو، للاسف، التفسير الوحيد لمذبحة برج البراجنة. انها مجرد عارض مؤلم من عوارض تلك الحرب التي تدور رحاها على الجبهة العراقية والسورية، وتتعمق جراحاتها في كل بيت لبناني. لا معنى للتوقيت على الاطلاق. داعش لا يعترف بالزمن، ولا يتمتع بذلك الاحساس. يعتمد فقط على "الساعة" الآتية بلا ريب، القيامة التي يعمل على تقديم موعدها ليس الا. كان يمكن للمذبحة الجديدة ان تجري قبل شهر او بعد شهر. يصعب ربطها مثلا بفك الحصار عن مطار كويرس في حلب، او بالهجوم على مدينة سنجار العراقية، مثلما يستحيل الزعم انها ذات صلة بؤتمر فيينا السوري المفترض يوم السبت، والذي لا يمكن ان يعزى تعثره الى تلك المذبحة. لعله يجوز الاعتقاد بان لبنان كان ولا يزال في حساب داعش "أرض جهاد" تشتعل وتهدأ حسب الظروف، لكن الأهم من ذلك والأخطر انه جبهة قائمة بذاتها لها شبكاتها وخلاياها، وقواعد الاشتباك الخاصة بها التي تخضع لمعايير محلية بحتة ، ولا تلتزم بهرمية القرار الصادر من غرفة العمليات الرئيسية الموجودة في الرقة او في دير الزور. ادارة الحرب هنا مستقلة الى حد ما. او هذا ما توحي به المذبحة، التي لا بد ان التخطيط لها بدأ قبل تصاعد العمليات الاخيرة في العراق وسوريا. لا يمكن التثبت من هذا التقدير، لكنه يبقى ضرورياً لإعادة فتح النقاش حول حضور لبنان المبالغ به في الحربين العراقية والسورية، والكلفة الانسانية الباهظة التي يدفعها. فات الاوان طبعاً على إحياء الجدل حول مزاعم الحياد وفرص النأي بالنفس عن هاتين الحربين البشعتين. لكن ثمة حاجة دائمة الى حصر التورط اللبناني في حدوده الضيقة، ووضعه في سياقاته المتواضعة، بالمقارنة مع الجيوش الضخمة التي تتقاتل في العراق وسوريا.. علّ في ذلك ما يحد من الخسائر والاضرار، وما يحول دون انفلات الغرائز والاحقاد على النحو الذي تمثله المذبحة نفسها والردود الشعبية عليها. لم يكن يتوقع ان تستدعي المذبحة مراجعة او تأملاً في تلك التجربة اللبنانية البائسة، لكن هتافات الثأر التي اطلقت من قمة الهرم وترددت اكثر من صوت الشارع لم تكن مبشرة ابداً بقرب النهاية. الحرب هي الخيار الوحيد. وهي مستمرة حتى النصر الذي لم تدركه دول كبرى ولن تدركه ابداً، بالقوة وحدها. لم يكن يرجى ان تجدد المذبحة البحث عن بدائل او مخارج من تلك الحرب، مع انها متوافرة وجاهزة، وهي بلا أدنى شك أقل كلفة بشرية وسياسية واخلاقية من الإصرار على القتال. الخيار لم يكن يوماً بين بشار الاسد وابو بكر البغدادي.. بل بين المضي في حرب عبثية يمكن تجنبها، وبين التفكير بان الحربين العراقية والسورية تفوقان قدرة لبنان على الاحتمال، ولن يكون له مجدٌ فيهما، ولا عزاء منهما ، ولا دور بعدهما. - See more at: http://www.almodon.com/opinion/7d4ba110-fe87-412f-9ca1-28e93e6e6573#sthash.yJbJmfT6.dpuf