Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

ماذا بعد؟ - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 ماذا بعد كل هذه الفوضى وهذا التعثر في إدارة أزمة النفايات؟ ماذا بعد طوفان الكارثة؟ ألم يعُد للاعتراضات واللا مسؤوليات من حدود؟
كل سلطة تخرج عن حدّها تظلُم وكل اعتراض يخرج عن حدّه يساهم في إنتاج فوضى مدمّرة. قلنا سابقاً إن عملية تقييم اللجنة التي كلفت بحل قضية النفايات وخططها الطارئة بالمعايير البيئية ستجعلها ساقطة حكماً. ولكن قلنا أيضاً إن لا بديل جدي عنها ولا مفر من التعامل معها، مرحلياً، للخروج من المأزق، بانتظار الحلول الأكثر استدامة، على قاعدة حصر الضرر في أماكن محددة ومراقبة، بدلاً من نقل المشكلة والضرر الى أي مكان من دون مراقبة، كما يحصل الآن عندما اقفل مطمر الناعمة من دون بديل مدروس وأصبحت النفايات في أي مكان.
والسؤال الذي يطرح الآن: اين كانت كل تلك الأصوات المعترضة من هنا وهناك، طوال الفترات السابقة ومنذ منتصف التسعينيات، يوم كانت تطرح قضايا البيئة عامة وقضية النفايات خاصة؟ ألم تكن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين غير مبالية وتعتبر قضية البيئة ثانوية وتنظر بنوع من «القرف» الى النفايات (والعاملين بها) وكل ما يندرج تحت بند «مخلّفات» (صلبة وسائلة)؟ وما الذي يجعلنا نصدق اليوم أن المهتمين بقضايا البيئة صادقون؟ مع العلم أن صدق المشاعر ليس كافياً لحل الأزمات، وإدارة الكوارث لها أصولها وفلسفتها ولا يفترض أن تترك للهواة، خصوصاً في مرحلة حساسة، ينعدم فيها الحس بالمسؤولية.
عندما يتصدّى البعض في المناطق بالقول «لسنا مزبلة»، يفترض ان يسألوا أنفسهم أيضاً ماذا كانوا يفعلون بنفاياتهم؟ وماذا يفعلون بمكباتهم العشوائية؟ كما هل سألوا أنفسهم يوماً أين تذهب مياههم المبتذلة ونفاياتهم السائلة التي تخرج يومياً من منازلهم!؟
فإلى أين بعد كل هذه المزايدات القاتلة؟
حان الوقت لكي نعلم ان النفايات التي تخرج نتيجة استعمالنا، لا يمكن أن تتبخر بين ليلة وضحاها وان هناك آثاراً ستنجم عنها حتى في أفضل طرق المعالجة كالفرز. وأن على المعترضين، اذا كانوا صادقين، ان ينتظموا في أحزاب بيئية لديها رؤية اشمل واهداف قريبة وبعيدة المدى وأن يستمروا في المتابعة والمراقبة والمطالبة بالتحسين وتحقيق الأهداف البعيدة المدى... ولكن عليهم ان يقروا (الآن) أيضاً ان هناك حالة طوارئ وإجراءات طارئة يجب ان تنفذ سريعاً لكي لا نصل الى ما هو اخطر.
صحيح ان هناك أنواعاً عدة من المعترضين، منهم الصادقون، ولكن يفتقرون المعرفة العميقة بالقضايا، ومنهم المضللون من شركات او خبراء ولديهم مصالح، او معترضون يمثلون شركات منافسة لشركات موجودة... إلا أن الاعتراض مسؤولية أيضاً ويفترض أن تكون له حدوده. وإذ نتوجه إلى الصادقين والمبدئيين والمبتدئين في هذه المقالة، نخاف عليهم من ان يصبحوا مثل أستاذ اللغة المتشدد الذي وجد نفسه يوماً أمام انسان يغرق ويطلب المساعدة بلغة غير مفهومة او غير مطابقة للقواعد، فطلب منه الأستاذ أن يصحّح ما يقول بدلاً من أن يمد له يد العون بالسرعة المطلوبة لإنقاذه من الغرق. فكيف إذا كان المعترضون اليوم لا يعرفون الكثير عن قواعد علم البيئة ولا بفلسفتها ولا بقواعد إدارة الكوارث؟!
صحيح أن كل مَن يعترض على الفساد في السلطة يصيب كيفما صوّب، إلا أن الفساد أنواع كثيرة. بين هذه الأنواع فساد المعنى، وقد ساهم كثيرون، في أحزاب وتيارات ووزارات وجمعيات وأعلام وشارع... في إفساد معنى البيئة والنضال لحمايتها حين حاولوا الاستثمار، مثلهم مثل غيرهم، في النفايات لأهداف مادية وسياسية أو لمجرد حبّ الظهور والاختلاف.
لا شك في أن أي حل استراتيجي او طارئ لأزمة النفايات لا يمكن أن يحصل إلا إذا كانت هناك دولة، وان الفوضى التي نعيشها والتي بدأت في عدم اتفاق مَن هم في السلطة على تسيير الشأن العام او ما يُسمّى «المرفق العام» وإدارة المخاطر التي تطال الجميع... لن تنتج إلا المزيد من الخراب. لذلك، وبدلاً من أن نستمر في نهج يقوم على الاكتفاء في إلقاء التهم وتبادل الاتهامات بالمسؤوليات او الهرب من تحمّلها... لا سبيل إلا في الرهان على موقف مسؤول وقوي وتاريخي من رئيس الحكومة، ليس من اجل الاستقالة، بل في الدفع باتجاه البدء بتطبيق الخطة مع التحسينات المطلوبة وعدم إضاعة المزيد من الوقت الذي يحول الصعب اليوم مستحيلاً غداً، والخطر الآن أخطرَ دائماً.

← Back to Selected Articles