التحرك العوني..اللاطائفي! - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم يكن أحد بحاجة الى تحرك التيار العوني لكي يتثبت من وجود معضلة مسيحية في لبنان. فهي حاضرة في كل بيت مسيحي، وهي قائمة منذ ان انهيت الحرب الاهلية على مضض، وهي اليوم متصلة اكثر من اي وقت مضى بذلك الخوف الدفين المتراكم منذ الفتح الاسلامي للمشرق العربي. لا يفعل العونيون اليوم شيئاً سوى تظهير هذه المعضلة وإستثمارها، في توقيت قد يبدو خاطئاً وخطراً، لكنه من وجهة نظرهم مناسب جدا. لطالما كان النزول الى الشارع سهلا في لبنان. الصعوبة كانت تكمن دائماً في الخروج من الشارع، باقل قدر ممكن من الخسائر والاضرار. وتلك قاعدة ذهبية اكتشفتها مختلف القوى السياسية من دون استثناء ودفع اللبنانيون جميعاً ثمنها باهظاً، وما زالوا يدفعون. فالتظاهر والاعتصام والعصيان المدني لم يكن يوماً وليد الثقافة ولا الوعي بل نتاج الخلل الدائم في العلاقة بين الطوائف وبين الدولة. خروج العونيين الى الشوارع يستكمل هذا التقليد بل يمثل تتويجاً له.لا يشك أحد في الطبيعة السلمية للتيار العوني، او في النية المدنية لتحركه الحالي، لكن الخوف من الانفلات أو الاختراق او الخطأ، لا يمكن إنكاره، كما لا يمكن تبديده.ثمة اختبار حرج لموازين القوى السياسية في لبنان في هذه المرحلة، لا يستطيع أحد ان يضمن عدم تحوله الى إشتباك او حتى الى مواجهة أمنية، إن لم يكن من جانب العونيين فعلى الاقل من جانب حلفائهم المدججين جميعاً بالسلاح والمعبئين للقتال على خطوط تماس قد لا يدركها ولا يقبلها أي عوني، مهما كان متأهباً لاسترداد الحقوق والحصص المسيحية كاملة. انضباط الشارع اللبناني مستحيل، أما ضبطه فهو وهمٌ وخيال. وإعتباراً من اليوم، لن يكون من الصعب تخيل سيناريو تندمج فيه الحقوق والحصص المسيحية المسلوبة مع المظالم والمخاوف الشيعية الموروثة، لتتشكل في قوة واحدة تواجه "الداعشية السنية" التي عممت على السنة جميعاً من دون استثناء، ورفعت الى مصاف الخطر الاكبر على لبنان والامة والعالم. وفي هذه الحالة لن يكون التحرك مجرد خلاف مسيحي مع النظام الذي نفى الجنرال ميشال عون وجوده أصلا، او نزاع مع الدولة التي يشكك الجنرال نفسه بشرعيتها، بل شرارة تشعل حريقاً واسعاً. لكنه السيناريو الاسوأ والابعد. ما زال بامكان لبنان ان يحتوي مثل هذا الحريق، وان يتجنبه، إن لم يكن بمناعة الداخل، فعلى الاقل بموانع الخارج الذي لن يساهم في تفجير بركان جديد على مقربة من البراكين المتفجرة في الجوار السوري وفي المحيط العربي. ولذلك يجوز النظر الى التحرك العوني بإعتباره صدمة مسيحية تهز الدولة والنظام والمجتمع لكنها لا تسقط أيا منهم. وهي، ان كانت تتعارض مع الدور المأمول من المسيحيين في اعادة إنتاج الجمهورية المهددة بالفتنة السنية الشيعية، قد تكون مفيدة في قياس الاحجام والاوزان والوظائف لجميع الطوائف والقوى السياسية. ليس من السهل ان يختزل التحرك العوني بطابعه الطائفي. لعل أهم ما فيه اليوم هو انه يمثل تحدياً أو إختباراً داخل كل طائفة، اكثر مما يشكل صراعاً بين الطوائف. فليس هناك إجماع في أي طائفة. ثمة غالبية مكرسة في كل طائفة، تخضع الان للامتحان الصعب، الذي قد يكون المسيحيون عنوانه الاهم والاعمق لكنه ليس الأوحد. فالانقسام الشيعي لا يحتاج الى برهان. والاعتدال السني يدافع عن نفسه بضراوة أمام زحف متشددي السنة. وعدم الانحياز الدرزي لن يصمد طويلا إذا ما نودي على القتال. وبهذا المعنى قد يكون التحرك العوني فرصة لا تعوض لحساب الغالبيات داخل كل طائفة، وتحديث النسب المئوية المبنية على إستطلاعات أو إدعاءات أو فرضيات قديمة. وبهذا المعنى أيضا قد يكون لبنان أمام مناسبة لتحريك الحياة السياسية بتواضع جمّ وبطء شديد... ربما؟ - See more at: http://www.almodon.com/opinion/da14202c-962a-4573-909c-3135ff58c442#sthash.NW4aGNlD.dpuf