مذبحة في فرنسا - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا يمكن رسم الخط الفاصل بين كون مذبحة مجلة "شارلي إيبدو" المروعة شأناً داخلياً فرنسياً وبين كونها في الوقت نفسه حدثاً دولياً استثنائياً. مكان المذبحة وهوية منفذيها وضحاياه لا تكفي لحصرها بالداخل الفرنسي، وما يواجهه من أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية، تتجلى بشكل خاص في بيئة المهاجرين التي يتحدر منها مرتكبوها الثلاثة، لكنها لا تقتصر عليها بالتأكيد. كما لا يمكن حتى الجزم في ان الثلاثة ارتكبوا المذبحة لانهم غير مندمجين في المجتمع الفرنسي. لعل المذبحة هي ذروة الاندماج في ذلك المجتمع وقيمه ومؤسساته، بقدر ما هي دليل على تكفيره والهجرة منه. الجذور المغاربية للمنفذين الثلاثة، وانتماؤهم الاسلامي كما يبدو، لا يكفي في المقابل للقفز الى صراع الحضارات وادخال المذبحة البشعة في سياق الحرب المفترضة بين الاسلام وبين الغرب المسيحي، على الرغم من ان المسلمين في مختلف انحاء العالم شعروا بالعار من المذبحة، وتسابقوا على نفي صلتهم بها، من خلال التنافس على إدانتها، وعلى الرغم من الغربيين عامة وجهوا ، وبدرجات متفاوتة، أصابع الإتهام الى كل مسلم مهما كانت درجة ايمانه وطبيعة عباداته. لا يمكن اخراج المذبحة من سياقها السياسي. هي فاصل او هامش من هوامش الحرب العالمية الدائرة منذ هجمات 11 ايلول 2001، بل ربما قبل ذلك اليوم. احد مرتكبيها، شريف كواشي، كان حسب الاعلام الفرنسي معتقلا في العام 2008 بتهمة تنظيم رحلات المقاتلين الى العراق، الذين حاربوا الاحتلال الاميركي وتمكنوا من طرده. ولا حاجة الى التذكير بان فرنسا التي لم تشارك في غزو العراق ولا في إحتلاله، هي طرف في الحملة العسكرية الغربية، على أكثر من جبهة من افغانستان الى مالي، مرورا بالخليج العربي وشمال افريقيا. لكن الشأن الداخلي هو الغالب حتى الان على الاقل، فالمنفذون لا ينتمون الى حزب او تنظيم او شبكة او إمارة، او حتى خلافة، يمكن ان تعلن مسؤوليتها عن المذبحة. هم يشكلون خلية منفردة قرأت الصحف الفرنسية وأستوقفتها على تلك المجلة الساخرة بالذات، فشعرت بالمهانة والكراهية والحقد، بناء على معرفتها السطحية اصلا بالاسلام وتعاليمه، وبناء على ثقافتها الضحلة، فقررت الانتقام، بطريقة وحشية تروع المجتمع الفرنسي كله، وتصدم الغرب بأسره، وتهز العالم من اقصاه الى اقصاه. يمكن العثور على أسباب اخرى للثأر، لكنها في معظمها داخلية، ولا يمكن ان تكون نتيجة قراءة دقيقة للوضع الدولي وتحليل مركز لمجريات الحرب العالمية المزعومة بين نحو ثلاثة مليارات إنسان يتوزعون بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي. إنكار الهوية الفرنسية للمنفذين هو جزء من عملية التطهر الداخلية الطبيعية في مثل هذه اللحظات، التي تشهد ايضاً عملية فرز إنفعالية بين المواطنين الفرنسيين والاوروبيين والغربيين عموما، حيث يصبح كل متحدر من اصول إسلامية إرهابياً حتى يثبت العكس، وهي ايضا عملية التنصل من المسؤولية السياسية والاجتماعية عن الفشل في استيعاب ذلك الجيل من المهاجرين المغاربة، وفي احتواء غضبه الذي تحول بسهولة الى تطرف ثم او تكفير الى ان إنتهى الى تقتيل بربري. إسقاط المذبحة على الحرب الدائرة في سوريا او حتى في العراق، هو في أقل تقدير خبث ونفاق وتحايل على الواقع. فالخليفة ابو بكر البغدادي الذي قد يكون مسرورا بما فعلته تلك الخلية المستذئبة من المهاجرين المسلمين في باريس، كان يفضل على الارجح هدفاً فرنسياً آخر غير تلك المجلة البائسة، وربما كان يتمنى عملية أكبر من كونها جزءاً من صراع محلي بين "هويتين" متعارضتين، وثقافتين متناقضتين لا يمكن لإحداهما ان تصل الى حد القبول بالرسوم الكاريكاتيرية، او الى حد التسامح مع إي فن على الاطلاق. والأهم من ذلك انه لا يستطيع ان يتبنى تلك المذبحة ولا ان ينعي منفذيها، ولا أن يعتبرها اسهاماً في مجهوده الارهابي. يمكن لخصومه أن ينظروا اليها من هذه الزاوية الضيقة، وأن يحاولوا استثمارها ايضاً. - See more at: http://www.almodon.com/opinion/70f85f78-5c50-457c-bb24-b7cc48805060#sthash.8i0vPbDO.dpuf