الشكليات الخطرة - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم نعد نشعر أن هناك حاجة للتعليق على نهاية كل عام. لم يعد هناك ما يميز او ما يتميز بين الاعوام. فما يحصل كل عام من الاعوام الاخيرة بات من سمات العصر. وقد أصبح السؤال: ما الذي يطغى في هذا العصر وليس ما الذي حصل هذا العام او ذاك؟
كانت القاعدة، عبر التاريخ البشري، انه كان هناك اشياء ما تطغى على كل عصر وتطبعه بطابعها. مر الانسان بعصور طغى فيها استخدام ادوات معينة غيّرت من طبيعة المجتمعات والعلاقات. فاكتشاف ادوات الصيد غيرت من طبيعة الانسان وحوّلته من نباتي الى حيواني. ثم اكتشاف الفأس وأدوات الفلاحة حوّلت الانسان من صياد الى مزارع. واكتشاف الفحم الحجري حوّل الانسان من مزارع الى صناعي... الخ فما الذي طغى على عصرنا الحالي؟ لا حاجة الى التأمل كثيراً في ما يطبع عصرنا وقد يأتي الجواب سريعاً أن من يطبع عصرنا الحالي فقط هو استخدام أجهزة وأدوات التواصل الاجتماعي. بالطبع كان لأدوات اخرى في العصور السابقة دور المسيطر أو المغيّر في الحياة مثل الدولاب والتلفاز. الأول طوّر وسائل النقل بشكل مدهش وقرّب المسافات وغيّر في طبيعة العلاقات... والثاني خلق عالماً جديداً وهمياً كان له التأثير الأكبر على تغيير السلوك والعلاقات الاجتماعية وعلى العلاقة مع الطبيعة بشكل رئيس، لذلك وصف بعض المفكرين انتشار التلفاز على مستوى العالم بعصر الصورة. ومنذ ذلك الحين، على ما نعتقد، بدأ يسيطر الشكل على الجوهر، وبدأت الفلسفات الأخلاقية بالتراجع لمصلحة الفلسفات العملية. تقدّم الشكل على الجوهر كان له الأثر الأخطر على الإنسان والطبيعة. شجعت الإعلانات والصور على الاهتمام بالشكل وبالجديد معاً وطرحت امام المستهلكين كماً هائلاً من السلع المتجددة والمتغيرة تلاعبت في الرغبات بشكل قوي... وقد ترجم الاهتمام بالشكل في زيادة التصنيع وإنتاج الأدوات والسلع وزيادة الاستهلاك بالتالي بشكل غير مسبوق. لم تتوقف نتائج تقدم الشكل عند هذا الحد، بل ترافقت زيادة الإنتاج مع تدني النوعية، مما انعكس كارثة مثلثة الأضلع. من جهة أدّت زيادة الإنتاج الى زيادة السحب من موارد الطبيعة والى استنزافها ومن جهة أخرى أدّى تدني النوعية الى تحويل السلع إلى نفايات بسرعة لوثت الطبيعة وتتطلب كلفة عالية لمعالجتها. أما الأثر الثالث للانعكاسات السلبية على تقدّم الشكل فقد أصابت الانسان نفسه الذي فقد توازنه الشخصي وطمأنينته وجعلته مسلوب الارادة مستلب نفسياً وغريباً عن نفسه أو عن جوهره. أدى الاهتمام بالشكل إذاً إلى الاغتراب النفسي، هذا الشعور الذي أسس للمرحلة الحالية، المرحلة التي تسيطر عليها ادوات التواصل الاجتماعي، المرسخة العلاقات الشكلية والوهمية بين الناس، على حساب العلاقات الواقعية والحقيقية. ففي فترة الأعياد، على سبيل المثال، يمكنك في لحظة معايدة مئات الأشخاص... ولكن من الناحية الشكلية، أي من دون أن تلتقي بهم وان تتبادل معهم الآراء والأفكار والأسئلة والهموم... والشأن العام بشكل عام. وعندما تتحول الأدوات (لاسيما مع ما يُسمى الهواتف الذكية) إلى وسيلة شبه وحيدة للتواصل بين الناس، الى وسيلة للاجتماع والجمع بين الناس... تطبعنا بطابعها أيضاً ونصبح نحن أيضاً أناساً غير حقيقيين وشكليين وبالتالي بعيدين عن الطبيعة. ومن ثم نسأل كيف تنتج وتتراكم المشاكل البيئية كتراكم النفايات وتلوّث مقومات الحياة من هواء ومياه وتربة وغذاء؟
الاهتمام بالشكل هو الذي خلق وراكم هذه المشاكل. ولعل ما يزيد من حالة التأزم التي طالما حذرنا منها، أن الحلول التي تطرح لحل المشاكل المذكورة، كانت ولا تزال من الطابع الشكلي نفسه! وقد وصلنا الى مرحلة أن الاهتمام بالشكل بات يهدد جوهر حياتنا وبات علينا البحث، عاجلاً أم آجلاً، في العودة الى الجوهر والبحث عن الحلول الجوهرية والاستراتيجية. وهنا تكمن الأزمة الإضافية في غياب الفلاسفة والمفكرين الاستراتيجيين، أو في عدم الاستعانة بهم، أو القبول برأيهم المحافظ عادة وغير الاستهلاكي والشكلي.