Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

تداعيات اكتشافات الغاز على الاقتصاد اللبناني - د. عفيف رزق (المستقبل)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 قررت الحكومة اللبنانية في مطلع عام 2013 استثمار حقول الغاز الطبيعي الموجودة في المياه الاقليمية اللبنانية، وأعلنت وزارة الطاقة في 15 شباط من العام نفسه، فتح اول جولة لمنح تراخيص التنقيب عنه، وحتى 28 اذار تقدمت 52 شركة عالمية بطلب التأهيل. اما الاسباب التي جعلت اصحاب القرار في لبنان يستفيقون ويضعون على بساط التنفيذ انتاج مورد طبيعي اكتشف وحُدد حجمه منذ اكثر من نصف قرن؟ يكمن الجواب، على هكذا تساؤلات، في حدوث تطورات مهمة على الساحة اللبنانية، ما بعد سبعينيات القرن الماضي، منها تقهقر الاقتصاد اللبناني الى جانب عوامل سياسية اقليمية وداخلية: هزيمة حزيران 1967، صعود المقاومة، الحرب الاهلية اللبنانية والاحتلالات المتتالية لأرض لبنان، والوصايات السافرة والمقنعة... لتُضعف جميعها القطاعات الانتاجية وتُحول الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد حرب قائم على استباحة المال العام والمضاربات المالية والعقارية مما اثر سلباَ على قدرة الدولة اللبنانية على صنع القرارات، كما ضعف دورها في التخطيط والتنمية.. الا ان التحولات التي احدثتها قوى التغيير في لبنان منذ مطلع هذا القرن فتح مساراَ افضل كان اولها تحرير ارض لبنان عام 2000 من الاحتلال الاسرائيلي الذي استمر عقدين من الزمان، تلا ذلك رفع الوصاية السورية عن القرار اللبناني عام 2005؛ وثانيها بدأ عام 2011 بعد انطلاق الشعوب العربية نحو استعادة تحكمها بمصيرها، وقيام الاجيال اللبنانية الشابة مرة ثانية لإصلاح النظام السياسي المترهل الذي اصبح عاجزاَ عن حكمهم؛ اما التحول الثالث فجاء من داخل الادارة العامة ايضاَ، بل من اضعف حلقاتها عندما اعلنت وزارة الاقتصاد والطاقة في شباط 2013 «البدء بتنفيذ خطة استثمار الغاز الطبيعي الموجود في المياه الاقليمية اللبنانية». لقد هدف هذا الاجراء تنفيذ خطوات اصلاحية عديدة: تنمية الموارد الوطنية الطبيعية وتصحيح وضع المالية العامة المُرهقة بالدين الداخلي والخارجي، خفض تكلفة توليد الكهرباء، تنمية الصناعات المرتبطة بالطاقة لتلبية الحاجات الوطنية وإيجاد فرص عمل جديدة تحد من البطالة والهجرة.

انطلاقاَ من هذه المعطيات، عُقدت ندوة بدعوة من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ايار 2013 تحت عنوان «الغاز القاري اللبناني من النزاعات الى وضع السياسات»، ضمت باحثين في القانون والاقتصاد السياسي وفنيين متخصصين بالطاقة وإعلاميين مهتمين بالموضوع، لمناقشته من مختلف جوانبه؛ قدم الدكتور فادي مغيزل البحث الاول حيث استثنى مناقشة الموارد النفطية البرية، وأقتصر البحث على الموارد النفطية في المياه البحرية مستعرضاَ النواحي القانونية المتعلقة بالتنقيب عن هذه الموارد، ثم لفت الانتباه الى اهمية التعريف ببعض المصطلحات التي سيتناولها البحث: البترول، الانشطة البترولية، المياه البحرية...، لينتقل الى عرض نشاط الحكومة اللبنانية في هذا المجال فرأى انه على الرغم من سنوات التأخير، يُمكن القول اليوم ان لبنان يتجه بخطى ثابتة نحو الشروع في التوجه لاستكشاف النفط ضمن مياهه البحرية، وأحرز مؤخراَ تقدم ملحوظ على الصعيدين التنظيمي والتشغيلي في ما يتعلق بإطلاق الانشطة النفطية البحرية. بعد هذا العرض انتقل الباحث الى استعراض النواحي القانونية المتعلقة بكيفية انسجام التحرك اللبناني، في هذا الميدان، مع القوانين الدولية التي ترعى هذا الموضوع: من حدود لبنان البحرية والقوانين والاتفاقات الدولية التي على الحكومة اللبنانية مراعاتها، وخصوصاَ مع الدول المجاورة، والاطار القانوني والتعاقدي للنشاط النفطي وواجبات وحقوق الدولة اللبنانية والطرف الاخر الذي سيتولى عملية الاستكشاف في ما خص النفط والغاز واستخراجهما؛ وأخيراَ استعراض لقانون الموارد النفطية في المياه البحرية والقضايا المتعلقة به. في بداية تعقيبه على ما عرضه الباحث فادي مغيزل يقول الباحث طارق المجذوب انه اذا كان الصراع اللبناني ـ الاسرائيلي صراع حدود ووجود في ان، فالغاز في الحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسط، «اصبح عنوان الحدود وروح هذا الوجود والدفاع عن الروح «؛ لذا يتطلب ذلك، حسب ما يعتقده الدكتور المجذوب، التعاون مع الدول العربية وغير العربية. استناداَ لهذا الفهم ان البحث يتعلق بقضية استراتيجية مهمة اخذت تُهدد وجود لبنان ومستقبله. وبما ان عنوان بحث الدكتور مغيزل هو»الملابسات القانونية في انتاج الغاز اللبناني» والبحث لم يتضمن المعالجة المفترضة في العنوان، وذلك للأسباب التالية: اولاَ لم يُعالج البحث الملابسات من مختلف ابعادها، وبالتالي لم يتسق عنوان البحث مع المعلومات المذكورة فيه؛ ثانياَ الافكار في البحث متداخلة من حيث المضمون احياناَ؛ السبب الثالث لم يستند الباحث الى عدد وافر من المراجع والمصادر، وذلك لأن البحث ليس جديداَ في موضوعه.

في البحث الثاني الذي قدمه الدكتور بطرس لبكي تحت عنوان «الغاز اللبناني من اقتصاد الخدمات والريع الى اقتصاد الانتاج والتنمية» نجد استعراضاَ للمعلومات المتوافرة عن كميات الغاز والموجودة في باطن الساحل اللبناني وذلك لطمأنة المشككين في وجود كميات وافرة من هذه المادة في المياه الاقليمية اللبنانية. بعد ذلك يطرح الدكتور لبكي احتمالين لكيفية استغلال هذه المادة من قبل المسؤولين اللبنانيين؛ الاحتمال الاول هو ان يُشكل الدخل من الغاز ريعاَ جديداَ يُضاف الى الريوع الاخرى التي تَميز الاقتصاد اللبناني: تحويلات المغتربين، الفوائد المصرفية، المضاربات العقارية... ليخلص الى ان هذا الاحتمال اذا ما اخذ به فسيُصاب لبنان بـ«الداء الهولندي»، اي الميل في الاقتصاد والمجتمع نحو تفضيل الريوع على العمل الانتاجي، اي انتفاخ اضافي لقطاع الخدمات نتيجة ذلك من دون ان يكون له تأثير ايجابي في تطوير القطاعات المنتجة للسلع والتكنولوجيا؛ اما الاحتمال الثاني، الذي يبدو ان الباحث يُفضله، فيرتكز على ان انتاج الغاز في مياهنا الاقليمية يُشكل عنصراَ مهماَ في تطوير القطاعات المنتجة للسلع: صناعة، حرف وزراعة وغير ذلك، اي ان استخراج الغاز واستخدام عوائده يجب ان يؤديا الى تحويل الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد انتاجي وأقل تبعية. ثم يستعرض المراحل التي مر بها هذا الاقتصاد بدءاَ بالمرحلة العثمانية، وفترة الانتداب ومرحلة الاستقلال وأخيراَ مرحلة ما بعد الطائف ليلاحظ ان تراكم التطورات ساهم في زيادة الجزء الريعي في دخل اللبنانيين، وذلك عبر ارتفاع حصة الفوائد المصرفية وعلى مستندات الخزينة من الدخل الوطني بسبب ارتفاع نسبتها لتثبيت سعر صرف الليرة تجاه الدولار...، ليخلص الى التساؤل التالي: ما هي امكانات استيعاب البنية الاقتصادية اللبنانية لهذا القطاع الجديد ؟ يرى الباحث ان هذه الامكانات تتمحور حول ثلاثة عناصر: العنصر الاول: العوائد المالية لاستخراج وتسويق الغاز وكيفية استعمالها للإنماء المتوازن والمستدام؛ العنصر الثاني: الغاز باعتباره مصدراَ للطاقة اقل تكلفة من المصادر المتاحة حالياَ؛ العنصر الثالث: الغاز باعتباره مادة اولية لتطوير القطاعات المنتجة للسلع: صناعة، انتاج حيواني، بناء.. بعد شرح مسهب لهذه العناصر لتبيان امكانية البنية الاقتصادية اللبنانية استيعاب القطاع القادم؛ يضع الدكتور بطرس لبكي في اولى اولويات بحثه الاقتصادي الاجتماعي هو المساهمة الفعالة في تنمية مستدامة ومتوازنة وصديقة للبيئة هذا من جهة، ومن جهة ثانية ابتعاد العملية الاقتصادية، قدر الامكان، عن الاقتصاد الريعي. للوصول الى هذه النتيجة يطرح بعض الشروط منها وجود القرار السياسي الذي يعتبر الحجر الاساسي، يليه استكمال انشاء الصندوق السيادي لعوائد الغاز والنفط؛ وضع خطة لتنمية القطاعات بحسب الاولوية ولمناطق الاطراف الاقل تطوراَ وتنمية، وتنمية طاقات الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، والاهتمام بالمنتوجات اللبنانية من مختلف النواحي، وكل ما يُساعد على تنمية مستدامة ومتوازنة...

يوافق الباحث البير داغر، في تعقيبه على دراسة لبكي، على مجمل ما جاء في هذه الدراسة، لهذا سيكون التعقيب عرضاَ او تذكيراَ بالمفاهيم التي استخدمها الدكتور لبكي مع مضامينها وكذلك النتائج التي توصل اليها... اما البحث الثالث والاخير فكان بعنوان «الخريطة الجيوسياسية للغاز القاري اللبناني المرتقب، الفرص والتحديات»، وقدمه الباحث زهير حامدي. يستعرض الكاتب، في البداية، مفهوم الجيوسياسية الذي يهتم بالعلاقة بين الاقليم والقوة خصوصاَ تأثير الجغرافيا في سلوك الدولة. ثم يُلاحظ ان الصراع الدولي انتقل من المنافسة العسكرية التقليدية الى المنافسة الاقتصادية والتفوق الاقتصادي وذلك بعد نهاية الحرب الباردة. رافق ذلك ان مفهوم جيوسياسية الطاقة اصبح مفهوماَ رئيسياَ لفهم العلاقات الدولية بسبب الخوف من نضوب هذه المادة او الوصول والتحكم بمواردها... وفيما خص دول الحوض الشرقي للمتوسط فإن عامل النفط لم يكن يُشكل عاملا مباشراَ في جيوسياسية المنطقة الا من خلال قربها الجغرافي من مناطق انتاج النفط والغاز في الخليج لا كمنطقة انتاج؛ لكن منذ اكتشاف الغاز بين عامي 1999 و2010 قبالة السواحل الفلسطينية الشمالية والجنوبية وعلى سواحل قبرص، اضافة الى امكانية تكرار التجربة نفسها في كل من لبنان وسوريا، اصبحت اهمية عامل الطاقة تتزايد في الحسابات الجيوسياسية للمنطقة، كما بدأت تلفت انتباه المهتمين بصناعة الطاقة والنخب السياسية الاقليمية نظراَ الى التداعيات الاستراتيجية المحتملة على منطقة الشرق الاوسط كلها، علاوة على اهتمام الدول الكبرى في العالم بها. قبل الاطلاع، على التداعيات الجيوسياسية المحتملة على لبنان بعد الاكتشافات المقبلة للغاز.

يستعرض الباحث، وبشكل مختصر، مشهد الطاقة في الدول ذات الصلة، اي لبنان والدول المجاورة بالإضافة الى الاتحاد الاوروبي اكبر قوة مستهلكة للطاقة. ففي لبنان تحرك المسؤولون اللبنانيون بعد اعلان دائرة المسح الجيولوجي الاميركية في نيسان 2010 ان الحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسط يحوي احتياطاَ متوسطاَ غير مكتشف من النفط يُقدر بنحو 1,7 مليار برميل من هذه المادة القابلة للاستخراج تقنياَ، وهذا الحوض الشرقي يشمل الشريط البري لسواحل سورية ولبنان وفلسطين ـ التاريخية، والمياه الاقليمية لهذه الدول الى غاية المياه القبرصية. وفي ما خص الغاز فان تقرير الدائرة المذكورة اشار الى ان الاحتياط المتوسط القابل للاستخراج تقنيا في اقصى تقديره بـ227 تريليون قدم مكعب؛ وبعد اكتشاف اسرائيل الغاز في السواحل المحاذية للبنان بدأت الحكومة اللبنانية تهتم بهذا الموضوع. وحسب التقديرات الاولية للاحتياط من هذه المادة هي بحدود الـ707 مليار متر مكعب مع تحفظات مهمة ابداها العديد من الخبراء. لقد وافق البرلمان اللبناني على قانون النفط في اب 2010 وكلفت الحكومة اللبنانية شركتين نرويجيتين بإجراء اول مسح زلزالي على طول السواحل اللبنانية، وانهت المرحلة الاولى، اي التأهيل المسبق بنجاح حيث شاركت 54 شركة نفطية عالمية تأهلت منها 46 شركة من بينها شركات نفطية كبرى... وفي ما خص التداعيات الجيوسياسية التي قد تنتج في لبنان بعد الاكتشافات المحتملة للنفط والغاز على سواحله، فيحللها الباحث ويضعها على ثلاثة مستويات: المستوى الاول والجزئي يهتم بالبعد السياسي الداخلي في لبنان، المستوى الثاني يهتم بعلاقات لبنان مع الدول التي توجد في جواره المباشر وعلاقته بالطاقة؛ واخيرا المستوى الثالث ويضم المحيط الاقليمي والدولي، ويهتم بدور الاتحاد الاوروبي والقوة الخارجية ودورها في المنطقة عموماَ وفي لبنان خصوصاَ. وبعد شرح مسهب لهذه المستويات الثلاث والقضايا المتعلقة بالطاقة وطرفي استثمارها، يخلص الباحث الى التالي: ان هذه الاكتشافات المستقبلية المحتملة سوف تشكل تحدياَ كبيراَ بالنسبة للمسؤولين اللبنانيين؛ والمهم هو توظيف هذه الثروة في اطار مشروع تنموي شامل يُساهم في الانتقال بلبنان الى دولة معاصرة ذات اقتصاد قوي... تجدر الاشارة الى ان الباحث وليد خدوري قدم تعقيبا على دراسة زهير حامدي وكذلك فعل ناجي ابي عاد، فالأول قال ان الموضوع يستحق تحليلا اوسع مع لفت الانظار الى ما يعانيه لبنان في هذا الميدان وخصوصا اسرائيل، اما الثاني فقد لفت الى ان الباحث لم يأت على ذكر الاردن ومصر لارتباط هذين البلدين بموضوع الطاقة...
الكتاب: الغاز القاري اللبناني من النزاعات إلى وضع السياسات الكاتب مجموعة مؤلفين الناشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

← Back to Selected Articles