لبنان في عهدة داعش - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم يتضح حتى الان ما اذا كان زعيم تنظيم "داعش" ابو بكر البغدادي، النجم اللامع في منطقة الهلال الخصيب، البالغ من العمر 43 عاما، يعرف لبنان، او سبق ان زاره، او انه التقى احداً من اللبنانيين، اثناء دراساته الاسلامية في جامعة بغداد او في سنوات سجنه في احدى القواعد الاميركية في العراق. المرجح ان لديه معارف لبنانية، خلية هنا او هناك، تستعد للاعلان عن نفسها لحظة وصول اخوتهم من حملة الرايات السود الزاحفين من العراق والشام الى منطقة الحدود اللبنانية السورية.
ليس في "ادبيات" التنظيم المنشورة، وهي قليلة حتى الان، ما يأتي على ذكر لبنان وما يخص اللبنانيين بالتحديد. الجمهورية اللبنانية هي مجرد تخم من تخوم دولة الاسلام في العراق والشام، وهي حسبما توحي به تلك النصوص جزء مقتطع من بلاد الشام، من سوريا الكبرى التي تستثنى منها فلسطين، ارض الميعاد الاسلامي المؤجل حتى الانتهاء من إقامة دولة الخلافة في الشطر الشمالي من الهلال.
بديهي القول ان التنظيم الذي لا يعترف بالحدود بين سوريا والعراق وهو يعمل الان على إزالتها، ومحوها عن الخريطة، لن يعترف ايضا بالحدود بين سوريا ولبنان وسيعمد الى إنتهاكها وإلغائها في أول فرصة ممكنة، ليس فقط لانها من تركة الاستعمار الاجنبي، من اتفاقية الراحلين العزيزين سايكس وبيكو، بل اساسا لانها عقبة امام اكتمال صورة الدولة الاسلامية الممتدة من حدود فارس وحتى البحر المتوسط. ثمة في "داعش" من يفترض ان ايران وقف اسلامي، سيبدأ العمل على استرداده عندما يرحل الاميركيون من افغانستان قبل نهاية هذا العام، ويتلاقى الجمع الآتي من الشرق الافغاني مع الحشد المتجه من الغرب العراقي.
ليس هذا السيناريو من صنع الخيال. لم يعد وهماً انتجه عقل مريض، او راود فئة ضالة، هي عبارة عن مجموعة صغيرة من المقاتلين الأشباح. ثمة دولة تتشكل بالفعل في قلب الهلال، وهي تمتلك المال والسلاح والرجال، والاهم من كل ذلك، الفكر الراسخ والعزم الذي لا يلين.. ولم يجد في مواجهته سوى بقايا دول وأطلال مؤسسات وأشباه جيوش، وجمهورا مذعورا، مستعدا للسير خلف تلك الراية، لانه لم يجد حتى الان راية بديلة، ولم تلق استغاثاته السابقة آذانا صاغية.
ها هو التنظيم الاخطر يقترب اكثر فاكثر من لبنان. يقدم أوراق اعتماده الاولى. ومن يظن ان النظام السوري يمكن ان يشكل عائقا امام تقدم الداعشيين نحو الشواطىء اللبنانية فهو إما واهم او جاهل بالتاريخ. لن يتردد ذلك النظام لحظة واحدة في تأمين العبور الامن لذلك التنظيم ومقاتليه الى "الساحة اللبنانية"، التي لطالما اتقنت الرقص مع كل غازٍ او عابر سبيل.. فكيف اذا كان عابراً باتجاه الجنة التي تسلم لبنانيون كثيرون في الماضي مفاتيحها الخاصة، وما زالوا.
الاعتقاد اللبناني السائد حتى الان هو ان ابا بكر المنهمك حاليا في محو الحدود الدولية المعترف بها بين العراق وسوريا، لن يتمكن من قطع البادية السورية، ولن يقوى على تخطي الجبال اللبنانية الوعرة، ولن يلقى الترحاب من قبل اي بيئة. لكن من يطمح الى صناعة التاريخ وكتابة فصوله من جديد، لن يأبه لمثل هذه العوائق والمظاهر التي لم تعرقل توسعه الاخير، ولن ينظر الى لبنان الا باعتباره تخما لدولته العتيدة، أو ربما منتجعا، لن يتطلب سقوطه اكثر من بضعة انتحاريين، ومجموعة من الصور والفيديوات الموثقة لعمليات قطع الرؤوس.
ومثلما كان من المستحيل اقناع حزب الله بالا يتورط في الحرب السورية القذرة، بكل المعاني السياسية والاخلاقية والمذهبية، لن يكون بالامكان اقناع داعش بتحييد لبنان والتعامل معه باعتباره ارض براء، يعيش فيها ذميون من مختلف الاديان والمذاهب..ينشدون السلامة، التي لم يسبق ان كانوا صادقين في طلبها.