البطل القادم من عشوائيات الهند إلى الحكم - جميل مطر (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
الهند مجتمع غرائب ومتناقضات. لم أنس تلك الليلة التي شهدت وصولي إلى مطار بومباي. كانت الليلة التي عرفت فيها أن الهند ستكون بالنسبة لي تجربة نادرا أن أمر بمثلها. شاب في مقتبل عمره، نشأ في مجتمع غير معقد وغير مركب، يكاد يخلو من التناقضات الصارخة. شاب لعله لم يقابل خلال مرحلتَي النشأة والمراهقة مشاهد تعكس تطرفا في السلوك الاجتماعي أو الديني. وجد نفسه ذات ليلة في دولة نسيجها من خيوط متشابكة وألوان مبهرة. يمر في طريقه من المطار على فندق مشيد ليكون شاهدا على هيبة العهد الإمبراطوري. ويبدأ سيل أسئلة لم يتوقف حتى يومنا هذا. أكان من الممكن شق طرق بهذا الاتساع ومبان بهذه الضخامة وروعة البناء، لو لم تتشكل ذات يوم قبل اربعة قرون «شركة الهند الشرقية» لتلحق بها جيوش الإمبراطورية البريطانية؟ جاءت الإجابة قبل مرور أسبوع، حين وقفت مشدوها أمام القلعة الحمراء في دلهي، ومغرما أمام تاج محل، التحفتين المعماريتين الشاهدتين على حضارة سلالات المغول.
على باب الفندق الذي مررت به في الطريق من المطار، يقف حرس بملابس مزركشة وقبعات تزينها ريشات طويلة. وعلى امتداد الرصيف المقابل للفندق، وقفت عربات تلمع تحت ضوء مصابيح الشارع وهي مربوطة إلى خيول سمينة تشي بخير وفير. وما هي إلا أمتار قليلة، وكان «التاكسي» المتهالك الذي يقلني يدخل أحياء، لم يدر بخلدي من قبل أنها يمكن أن توجد. لم يكن بمصر، حتى في ذلك الحين البعيد، ما يوازيها فقرا وقذارة. انتهت رحلتي من المطار في شيء يشبه النزل، وبدقة أكثر، في غرفة صغيرة من دون شباك أو باب، ولكن بها سرير حديدي أكل الصدأ بعض أطرافه ومائدة خشبية بثلاثة أرجل. وكرسي منتهية صلاحيته. المائدة والكرسي في وسط الغرفة تماما ليكونا تحت مروحة كبيرة في السقف تدور بلا كلل وبصوت لا يحتمل.
صباح اليوم التالي كنت جالسا على مقعد بالدرجة الأولى في طائرة متوجهة من العاصمة التجارية إلى نيودلهي العاصمة السياسية، أتناول افطارا إنكليزيا شهيا، وإلى جانبي شاب هندي عائد من اكسفورد في زيارة طارئة لأهله. هؤلاء الأهل الذين شاءت الظروف أن أزورهم في «مجمع» قصورهم الكائن في بطن أحد جبال شمال الهند. هناك نزلت ضيفا، أحظى بخدمة العشرات من رجال يرتدون الملابس نفسها التي رأيتها وأنا مار بالتاكسي على فندق تاج محل في بومباي. هؤلاء بينهم خدم وحرس وطهاة ومربو خيول وموسيقيون.
[[[
تذكرت هذه الأيام المبكرة من إقامتي في الهند، وهي الإقامة التي تخللتها صدمات متعاقبة وتجارب عديدة، تذكرتها وأنا أتابع بشغف الانتخابات النيابية التي جرت مؤخرا في الهند وانتهت قبل أيام بإعلان فوز التحالف الذي يقوده حزب بهاراتيا جاناتا واختيار نارندرا مودى رئيس الحزب، ليشكل حكومة مركزية في نيودلهي ويتولى رئاستها.
اسمع عن الحزب والرجل منذ سنوات عديدة، هو أقرب شيء ممكن من صيغة الأحزاب «الدينية» في العالم العربي التي انتشرت كالفقع، خاصة «الإخوان المسلمين». إلا أنه يختلف عنهم في أمر جوهري وهو أنه «قومي»، بمعنى أنه لا يفصل بين الولاء للدين والولاء للوطن، فالهندوسية من منظور قادته واتباعه هي دين وأمة ووطن هو الهند. الهند، بالنسبة لعقيدة الحزب هندوسية ويجب أن تبقى هندوسية. بهذا المعنى يكون المسلمون، ويبلغ عددهم 160 مليون شخص، أي بنسبة 9 في المئة من السكان، ضيوفا غير مرغوب في استمرار بقائهم في الهند. المسلمون، حسب منطق هذا الحزب الفائز بأهم انتخابات تجرى في الهند منذ الاستقلال، غرباء على الوطن.
[[[
لاحظنا، على كل حال، أن الحزب لم يستخدم في حملته الانتخابية هذه الدعوة بكثرة أو بتركيز، أما رئيسه فاكتفى دائما بترديد عـبارة انه سيكون رئيسا لجميع الهنود، وهي عبارة مألوفة في كل الانتخابات سواء تلك التي تجرى في نظم ديموقراطية أم في دول شمولية. مراقبون سياسيون من الذين اهتموا اهتماما شديدا بهذه الانتخابات، كتبوا ينصحون السيد «مودى» أن يظهر إيجابية أكثر عند الحديث عن قضية الأقلية الإسلامية. يأخذون على مودى انه عندما كان رئيسا للوزراء في ولاية جوجارات ونشب نزاع على أرض قرر المسلمون والهندوس كل من طرفه انها تخصه، وتدهور الخلاف إلى نزاع دموي راح ضحيته المئات وأغلبهم من المسلمين، لم يتدخل وتأخر وصول قوات الأمن. لم يعتذر «مودى» إلى هذه اللحظة عن تقصير حكومته وتطرف أعضاء حزبه، بل وينقل عنه انه قال: «أشعر احيانا بالأسف، ولكنه كأسف قائد سيارة دهس كلبا فقتله».
لكن «مودى» السياسي والزعيم ليس فقط هذا الرجل، ففي نظر المصالح المالية الكبرى، خاصة في دول الغرب، هو النموذج «النيوليبرالي» الأصلح والأقدر على تحقيق نقلة نوعية في الهند تتـفوق بـها على الصين، أو على الأقل تقترب بها من معدلات نموها ونـجاحها، هذا على الأقل ما فعله بولايته الصغيرة جوجارات الواقعة على المحيط الهندي والمتاخمة لباكستان، إذ استطاع خلال عقد واحد من الزمن أن ينقلها من حال بؤس إلى حال مختـلف تمامـا، حتى صـارت، وهي الولاية ذات الستين مليون مواطن هـندي، أي بنـسبة 5 في المئة فقط من سكـان الهـند، تصـدر إلى الخـارج ما نسـبته 25 في المئـة من مجـمل صادرات عموم الهند.
اهتمت إسرائيل بالرجل وولايته منذ أن تولى الحكم فيها حزب بهاراتيا جاناتا واستثمرت فيها، وكذلك الشركات الغربية عابرة الجنسية، واجتمع كبار اصحاب المليارات الهنود على ضرورة دعم مودى وتحالفه، بعد أن بلغ بهم اليأس من سوء أداء حكومات «حزب المؤتمر» حدا لم يعد ينفع معه الاستمرار في التعاطي بأسلوب الفساد الذي تعود علـيه الهنود أغنياء وفقراء، وحكاما ومحكـومين. قيـل أن حـزب مودى في جوجارات استطاع «خصخصة» قطاعات كبيرة من الاقتصاد وقلص الفساد إلى حـدود دنـيا. وقد أعلن لحظة دخوله نيودلـهي منتصرا انه لن يسمح لأقاربه وأصدقائه بمقابلته، ولن يصغي إلى طلباتهم وشكاواهم. أمامهم مؤسسات الدولة فليلجأوا إليها.
لا يأخذون على البطل القادم ليحـكم ثاني أكبر تجمع سكاني في العالم ممتطيا حصان الانتخابات عدم إيمانه الصادق أو الشديد بالديموقراطية. لا يأخذون عليه أنه لم يمارس من الديموقراطية في جوجارات إلا الانتخابات. الديموقراطية، بالنسبة لرجل بدأ حياته بائعا للشاي في محطة قـطارات وعاش بعض سنوات عمره منبـوذا ويحـلم بقيـادة أمـة صالحـة ومنضبطة، هي انتخابات، لا أكثر ولا أقل.