Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

طواحين التطبيع - ساطع نور الدين (المدن)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 الجدل الدائر حول التطبيع مع العدو الاسرائيلي، مترف، ومتصل بذاكرة ضعيفة. هو ليس محظورا الا مع حلفاء وشركاء النظام السوري الذي قام على مذبحة الاردن واستمر على مذبحة لبنان، حتى وصل الى مذبحة سوريا. هؤلاء خارج البحث، لا لأن مخيم اليرموك ما زال يحتضر، بل لان جميع المخيمات الفلسطينية في بلاد الشام تشهد على تاريخهم.

الجدل أُفرغ من محتواه منذ زمن بعيد، لانه بات يقوم على فرضية زائفة مفادها انه ما زال بالامكان إستخدام المقاطعة كسلاح فعال، وما زال بالامكان التلويح بالتطبيع بوصفه جائزة تمنح لذلك العدو فتعزز قوته وتزيد "شرعيته": الاسرائيليون اليوم في عالم آخر. ما عاد يعنيهم الحصول على ذلك الكنز الثمين الذي ظل لعقود طويلة من الصراع شرطهم الاول للتسوية، اي الاعتراف العربي والاسلامي المسبق بدولتهم، والتنكر العربي والاسلامي المعلن لاسطورة رمي اليهود في البحر.. والمؤكد الان انهم لن يرقصوا في الشوارع اذا ما حصلوا على علاقات دبلوماسية علنية مع اي دولة عربية او اسلامية، مهما كان وزنها، ولن يهللوا لفتح سفارة اسرائيلية في اي من دول الخليج العربي التي تقيم حاليا علاقات شبه رسمية مع حكومتهم.

يودون الان الحصول على اعتراف بكيانهم كدولة يهودية، وليس من المستبعد ان يطلبوا في المستقبل الاعتراف به كدولة إلهية.. لانهم ببساطة ليسوا بحاجة الى تطبيع وتطبيعيين، ولا حتى الى لقاءات ومصافحات وصور ودية. فقد انتهى الصراع بالنسبة إليهم، وإنهزم العرب شر هزيمة، وإنكسر الفلسطينيون شر انكسار. وليس هناك من داع لاي ثمن قد يستدعيه جلوسهم مع اي عربي او فلسطيني في قاعة واحدة.

التطبيع لم يعد ورقة ضغط على العدو، بل ورقة ضعف عربية وفلسطينية ليس إلا. وليس هناك دليل على ان الاسرائيليين معنيون او حتى مهتمون بذلك الجدل المتنقل الان في اكثر من بلد عربي حول التطبيع. المسألة بحد ذاتها هامشية بالمقارنة مع العواصف العاتية التي تضرب العرب وتصيب الفلسطينيين. هي شأن داخلي عربي. سبب اضافي للمشاحنات والمزايدات. لكنه ليس سببا كافيا للتدخل او التورط في عنوان نظري من عناوين السياسة العربية والاسلامية.

لم يعد التطبيع مغرياً، حتى قبل ان يختار الاسرائيليون أشدهم غلواً وتطرفاً للحكم، وقبل ان تتحول دولتهم الى دولة شبه دينية. وفي هذه الحالة لم يعد من الجائز توصيف التطبيع كخيانة وطنية فحسب، بل كحماقة سياسية موصوفة، لا تسهم في فك الحصار عن الفلسطيني الاسير في الداخل ولا في تقريب الفلسطيني المشرد من حدود وطنه المحتل.. بل تزيد فقط من حدة ذلك الجدل العقيم الذي انضم اليه مؤخرا أكثر من تلوثت ايديهم بدماء الفلسطينيين في بلاد الشام قاطبة.

ثمة مفارقة هنا، هي أن الإنكسار الفلسطيني جعل من فكرة العودة الى الداخل ولو تسللاً ، اضعف الايمان بالقضية، واقوى سلاح راهن في وجه العدو: اي فلسطيني يتمكن من العبور مهما كانت الشروط هو بالتعريف مساهمٌ في تقويض الكيان الصهيوني والاخلال بغالبيته اليهودية، وهو بالتالي مشاركٌ على المدى البعيد في عودة فلسطين الى شعبها. وهذا بالمناسبة هو المنطق السياسي الذي بني عليه اتفاق اوسلو " المشؤوم "، الذي مزقه الاسرائيليون وقتلوا الموقعين عليه واحدا تلو الاخر، وأعلنوا صراحة أن اي عربي يعرض عليهم التطبيع واهمٌ او مجنون.

على الرغم من ان الزيارات العربية الى الداخل الفلسطيني، تقع، حسب التصنيف العربي، تحت بند التطبيع، فإن العدو، وللمفارقة، يتسامح معها ويسمح للزوار العرب بشجبه وشتمه، وحتى التهديد برميه في البحر. أما الزوار الفلسطينيون فانه كان وسيظل لهم حساب خاص، لأنهم فدائيو الغد ومؤسسو قرية باب الشمس.. التي بناها لهم الأديب اللبناني إلياس خوري، على أرض ثابتة لن يتمكن منها المحتلون ولا المزايدون في محاربة طواحين التطبيع.

 

← Back to Selected Articles