الفراغ سيَسكن قصر بعبدا... في انتظار نضوج الصــفقة! - طوني عيسى (الجمهورية)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
هناك ضجيج حول الاستحقاق الرئاسي. لكنّ «طبخة» الرئاسة لا يُنضِجها الضجيج. والأقوياء يتحرَّكون في العتمة والصمت، ويطبخون الاستحقاق على نارٍ هادئة. فبالنسبة إليهم، رئاسة الجمهورية طبَقٌ يؤكَل بارداً. خريطة الإستحقاق مرصوفة بالألغامT+ | T-إذا كان المطلوب جسّ النبض للتوافق على تأمين النصاب لجلسة انتخاب الرئيس، فهذا يعني استطراداً أنّ المطلوب التوافق على رئيسٍ يحظى بأصوات الثلثين (85 نائباً)، لأنّ أيّ كتلة نيابية لن توفِّر النصاب لمرشَّح لا ترضى به. وهكذا تعود اللعبة إلى النقطة الصفر: إمّا التوافق وإمّا التعطيل.
وعند هذه النقطة، يصاب إستحقاق الرئاسة بالمرض إيّاه الذي أصاب الإستحقاقات الدستورية كلّها وعطّلها: التوافقية اللبنانية كبديل للديموقراطية. التوافقية التي تصبح رديفاً للديكتاتورية. فالانتخابات النيابية انتهت بالتمديد للمجلس، لعدم التوافق على قانون انتخاب، والحكومة استغرق تأليفها عاماً بسبب عدم التوافق على التشكيلة والبيان، والقادة الأمنيّون والعسكريّون مُدِّد لهم لعدم التوافق على بدائل.
فهل الإستحقاق الرئاسي سيطير أيضاً لعدم التوافق؟
في المفهوم الديموقراطي، لو كان هناك حماسٌ لإجراء الإنتخابات الرئاسية في المهلة الدستورية القصيرة، لتمّ تحديد موعد للجلسة الإنتخابية الأولى في 25 آذار، لتتسنّى معالجة الثغرات، والدعوة إلى جلسات متتالية حتى 25 أيار، أو حتى 15 أيار، عندما يصبح المجلس قادراً على الإنعقاد من دون الحاجة إلى دعوة من رئيسه.
ولجنة الإستطلاع الثلاثية المكلّفة جسّ النبض حول النصاب ستحتاج إلى أيام عدة ثمينة تُهدَر من عمر المهلة الدستورية. وما كان المانع من أن تبدأ اللجنة عملها قبل أسابيع أو أشهر؟ فعندئذٍ، ربّما كان ممكناً الوصول إلى 25 آذار بحدٍّ معيَّن من التوافق.
البعض يرى أنّ الإشارات إلى تطيير الإستحقاق تستحقّ الدرس. والسوابق في هذا المجال كثيرة. ويبدو قادة المسيحيّين وحدهم متحمّسين لانتخاب رئيس، إمّا حرصاً على الموقع، وإمّا لطموحات رئاسية مزمِنة. أمّا الحلفاء هنا وهناك فليسوا مستعجلين، وبعضهم يخبّئ طروحات للوقت المناسب: من الفراغ إلى التمديد إلى انتخاب رئيس بلا لون ولا طعم ولا رائحة... ولا يمثّل طموح المسيحيين ولا المسلمين، بل صفقة بين بعض البيئات العربية والإقليمية والدولية المعتادة على صناعة التسويات والأزمات في لبنان!
في هذا المعنى، هذه المرّة أيضاً، سيكون الأقطاب المسيحيّون «زوجاً مخدوعاً». وعوضاً عن جلسات الإنتخاب التي يطالبون بها، أتاح الأقوياء لهم مجالاً ليتباروا إعلاميّاً، بل دعائياً، أمام الجماهير، وينفِّسوا شهواتهم لبلوغ القصر... ويتلهَّوا عن حلفائهم قليلاً، ريثما يتولّى هؤلاء تدبير المخارج بتسويات سعودية أو قطرية أو إيرانية أو سورية.
وتبدو خارطة الاستحقاق مرصوفة بالألغام:
- المسيحيّون لن يتوافقوا على رئيس.
- فريق 14 آذار كذلك.
- الرئيس ميشال سليمان سيدير طاولة للحوار تكون فيها الرئاسة محور المساومات: رئيس جديد أم تمديد أم تجديد أم فراغ؟
- «المستقبل» يقول إنّ اختيار رئيس من غير الصف الأوّل، ويحظى بغالبية 85 نائباً، أفضل من خوض المعركة بمرشّح من الصف الأوّل (جعجع مثلاً) يتعذَّر وصوله. ومنعاً للفراغ.
- النائب وليد جنبلاط يبحث عن السبيل الأنسب لحفظ ماء الوجه والمكاسب.
- فريق 8 آذار يبدو مُتريِّثاً، ومعه مفاتيح المجلس. ويتردَّد أنّ قراره الحقيقي هو عدم إنجاز الإستحقاق الرئاسي إلّا بعد إنجاز الاستحقاق في سوريا، وتأمين انتخاب الرئيس بشّار الأسد لولاية جديدة. فبناءً على ذلك، يصبح البحث ممكناً في التسويات: الرئاسة والحكومة الأولى من العهد المقبل والمجلس النيابي.
مجموعة ألغام لا تصنع انتخابات رئاسية. والأرجح هناك شغورٌ في موقع الرئاسة تملأه الحكومة «الجامعة»، حتى تنضج الصفقات في كواليس البَلاطات والقصور العربية والإقليمية والدولية... فيتلقّى اللبنانيون تعليماتهم كالمعتاد، بعدما استسلموا لمقولة «الرئيس يُصنع في الخارج».