زجل المقاومة - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ما زال من المبكر اتهام المتمسكين بخيار المقاومة، بانهم عابثون بالجنوب والجنوبيين، او على الاقل غير مبالين بهم، وبالمصير الذي ينتظرهم اذا ما جرى ارتكاب اي خطأ مع العدو الاسرائيلي.
مثل هذا الاتهام سابق لاوانه بعض الشيء. فالمقاومة التي تتآكل قدرتها على ردع ذلك العدو يوما بعد يوم ، منذ حرب العام 2006 المدمرة، ثم التورط في الصراع الداخلي مع الطائفة السنية ، وصولا الى الانخراط في حرب النظام السوري مع شعبه، لا تزال تحتفظ بدور يجعل الاسرائيلي يفكر اكثر من مرة قبل ان يقدم على القيام باجتياح جديد للجنوب.. لكنه ليس دورا مانعا لمثل هذه المغامرة العسكرية التي يمكن ان يقدم عليها الاسرائيليون في اللحظة التي يشعرون ان مكاسبها السياسية تفوق اكلافها البشرية. هذه هي طبيعة اسرائيل وتكوينها ووظيفتها.
الاحساس بهذا الخطر الاسرائيلي ليس معدوما لدى المقاومة وجمهورها المباشر، لكنه بلا شك اقل من شعور بقية الجنوبيين واللبنانيين عموما، الذين يميلون الى تفادي الصدام مع العدو، خصوصا وان القضية الفلسطينية طويت على هزيمة منكرة، لن يخرج منها الفلسطينيون والعرب قبل عقود من الزمن، ولم تعد المكابرة او المزايدة تجدي نفعا.. كما ان الظروف العربية تغيرت وهناك اجيال وشبكات وخلايا اسلامية تنتظر فرصتها لوراثة حدود المواجهة مع اسرائيل، سوريا الى الاردن الى مصر، من دون استثناء لبنان الذي شهد العام الماضي اختبارين من هذا النوع.
المقاومة اللبنانية استنفدت. ضاعت في متاهات بيروت ودمشق وبغداد وطهران طبعا..تحولت الى نشيد، زجل يتردد في المناسبات، لا يثير حماسة بيئته، كما في السابق، ولا يلقى استحسان البيئات الاخرى التي شهدت تحولات السلاح وتشوهات استخدامه في الحاضر.. وهي لم تعد تغوي سوى اولئك الذين لا يكترثون فعلا بمستقبل الجنوب والجنوبيين، ويتمنون ان تكون المعركة المقبلة مع العدو خلاصا من تلك البيئة او على الاقل نهاية لطيشها وتوترها الذي يهدد استقرار البلد ومستقبله. وبعض هؤلاء هم حلفاء اشداء للمقاومة، يسابقونها دوما في التمسك بذلك الخيار، وايضا في الدفاع عن خيارها السوري الانتحاري.
الارجح ان المقاومة، بصفتها السابقة كقوة مواجهة حصرية مع العدو الاسرائيلي، لا قوة اشتباك داخلي في بيروت او دمشق، تدرك ايضا انها لم تعد ورقة صالحة للاستثمار لا من قبل اي منظومة فلسطينية، ولا من قبل النظام السوري، ولا طبعا من قبل النظام الايراني. فالجهات الثلاث ليست في حاجة الى تلك القوة اللبنانية في معاركها ومفاوضاتها الحالية التي لا تقع اسرائيل في سياقها.. بل قد تتحول من حليف ضمني الى شريك معلن.
كان يعتقد ان المقاومة توصلت الى هذا الاستنتاج، قبل نحو عامين، واستخلصت العبر من الظروف التي أملت عليها تغيير وجهة سلاحها، عندما وقعت على سبيل المثال على اعلان بعبدا الصادر عن آخر جلسات الحوار الوطني والذي لم يرد فيه اي ذكر للمقاومة لا تصريحا ولا تلميحا، بل اقتصر الامر على تجديد الالتزام بالقرار الدولي الرقم 1701، برغم انه الشاهد الاول على تآكل قدرة الردع اللبنانية بعد حرب العام 2006.. وكان يعتقد ايضا ان المقاومة تواضعت، او هي الاقل اكتشفت الواقع الجديد للصراع مع العدو، والذي لا يمكن تعويضه بعراك لغوي حول ثلاثية وهمية، لم يكن لها سند في اي يوم في السياسة اللبنانية، ولن يكون لها اي اساس في المستقبل اللبناني المختلف تماما سواء في طبيعة التعاقد بين الطوائف والمذاهب اللبنانية او في الاثمان الباهظة التي ستدفعها بيئة المقاومة نتيجة خياراتها الاخيرة.
الاشتباك مع رئيس الجمهورية هو الان بمثابة اشتباك مع الجمهورية. ولن يبقى مع المقاومة من حلفاء سوى ألد اعدائها.