Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

وثيقة بكركي: الإيجابي والملتبس - نبيل خليفة (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

أصدر صاحب الغبطة والنيافة، الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مذكرة وطنية لمناسبة عيد مار مارون أب الطائفة المارونية (2014/2/6). تتألف المذكرة من مقدمة وخاتمة وأربعة أقسام: الثوابت الوطنية، الهواجس الراهنة، أسس الانطلاق نحو المستقبل، وتحديد الأولويات.

إن قراءة نقدية جيو-سياسية لهذه المذكرة تبرز ما فيها من طروحات ايجابية وما فيها من التباسات فكرية. وسنعرض للأمرين بتركيز وإيجاز.

أولاً: في الطروحات الايجابية
1 - تعكس المذكرة اهتمام الكنيسة المارونية بالوضعية الوطنية اللبنانية وسعيها الدائم لخدمة لبنان: الانسان الدولة والكيان.
2 - تشدّد المذكرة على الروح التضامنية التي ميّزت تاريخ الموارنة والكنيسة، وتخصيصاً حول علاقة التعاون والتضامن والمشاركة مع كل العائلات اللبنانية.
3 - تسعى المذكرة الى رسم خريطة طريق متكاملة للبنانيين في ما عليهم أن يؤمنوا به، وما يتوجب عليهم أن يفعلوه في كل الميادين: السياسية والاجتماعية والأمنية سبيلاً لهم للخروج مما يمرّون به من مصائب ومصاعب!
4 - تؤكد المذكرة حرص بكركي على أن تبقى في مقدم المدافعين عن قضايا الوطن الكبرى ومصالحه العليا وفي مقدمها قيام دولة القانون.
5 - تجدّد التزام الكنيسة بلبنان الكيان مع اقتراب الذكرى المئة لإعلان لبنان الكبير باهتمام وسعي بطريرك الكيان المثلث الرحمات الياس الحويك في العام 1920، وهو الحدث الذي اعتبره ميشال شيحا: "أهمّ حدث في تاريخ لبنان".
6 - تشير المذكرة الى جملة إشكاليات يعاني منها اللبنانيون وتقترح جملة إصلاحات ومشاريع ومبادرات لحل هذه الإشكاليات.

ثانياً: ملاحظات نقدية
على الرغم مما في المذكرة من طابع عام ايجابي، هناك مجال وضرورة لإبداء بعض الملاحظات النقدية عليها، توضيحاً لبعض الالتباسات:
1 - مع اعتذارنا لصاحب الغبطة، هناك ثلاثة مفاهيم واردة في نص المذكرة يُستحسن استبدالها (في المستقبل) لأسباب لغوية ومعنوية وحتى لاهوتية مسيحية:
أولها تعبير الهواجس: وهي تعني المخاوف في حين أن المطروح في حال المسيحيين هو الهموم لما فيها من أبعاد فلسفية وجودية وليس الخوف فيها سوى بُعد عاطفي سلبي فقط.
ثانيها تعبير الثوابت: وهي لا تتوافق مع الفكر المسيحي القائم على التطور والتطوير والسؤال وليس على الأجوبة الثابتة والجاهزة. وهذا عائد في جوهره الى كوننا أهل بشارة لا أهل كتاب. فنحن، كمسيحيين، مع مفهوم المبادئ أو الأسس، أو المنطلقات وليس الثوابت.
ثالثها تعبير العيش المشترك: وهو يعني لغوياً المشاركة في الامور الغذائية (العيش المشترك يعني المأكل سوياً)، في حين أن المقصود من النص هو الحياة المشتركة بكل وجوهها الروحية والفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وليس فقط بوجهها المادي المعيش.
2 - حياد لبنان الايجابي. إن اضافة تعبير "ايجابي" الى حياد لبنان أو تحييده هو تشويه لمبدأ الحياد وتفريغ له من مضمونه "الايجابي". وبكل اختصار، لفظة "ايجابي" تحوّل الحياد الى مجرّد حياد سياسي _على طريقة باندونغ)، ما يسمح بنسفه ومنعه على يد الداخل والخارج في آن واحد، في حين أن المطلوب هو حياد والأصح تحييد لبنان القانوني الدولي، وهو ما تضع جهات معينة داخلية وإقليمية خطاً أحمر على القول به واعتماده. ومثل هذا التحييد يفرضه مجلس الأمن والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. وهو ما يفترض بكل القوى اللبنانية، وعلى رأسها البطريركية المارونية، العمل له والسعي في سبيله... وللتذكير، فقد صوّت المجلس التنفيذي للرابطة المارونية بالإجماع على المشروع الذي قدمناه له حول هذا الموضوع (عام 2013)!
3 - إن الاشارة الى قرار مجلس الأمن 1701 مهمة، ولكن الأهم منها، وعلى لسان البطريركية المارونية، هو الاشارة الى القرار 1559. فالقرار الاول قرار تنفيذي، ولكن الثاني هو قرار تأسيسي للبنان: الدولة والكيان، واعتُبر تدويلاً لاتفاق الطائف وضمانة دولية لسيادة لبنان وسلطة الدولة فيه على حساب الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. فهو حد فاصل. إنه تجديد لكيان لبنان النهائي! ومن هنا أهميته وخطورته لأنه يشرعن لبنان حقيقة جغرافية وتاريخية!
4 - عندما تتحدث المذكرة (الفقرة 22) عن "بسط سلطة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية"، يتساءل العارفون أين تقع حدود هذا "الكمال" وأين هي حدود الدولة اللبنانية؟ ولماذا لا يتم ترسيمها من جانب النظام السوري؟ ألا يعني ذلك عدم الاعتراف بسيادة الدولة اللبنانية؟
5 - هل يمكن الحديث عن "الأمن الذاتي..." و"إسقاط الدولة"، و"عرقلة تكوين السلطة" دون الاشارة الى كون لبنان دولةً – حاجزاً بين دولتين إقليميتين لديهما مطامع ومطامح توسعية حول وجودنا الجغرافي والدولاتي، وهما تستهدفان إلغاءنا كي لا نكون نقضاً للأولى ونقيضاً للثانية!؟ وإننا في ما نحياه ونعاني منه إنما نتلقى مفاعيل الاحتلالات!
6 - إن الإشادة بلبنان الرسالة هو أمر مهم جداً. ولكن ما هو قبله وأهمّ منه، وفي ضمير كل ماروني يحيا في خط المارونوية: من مار مارون (في عيده) الى ابرهيم القورشي الى مار يوحنا مارون... وصولاً الى البطريرك الياس الحويك، هو أن "لبنان رمز ماروني". فالرمز يؤكد الرسالة ويبرّرها ويشرعنها وليس العكس.
7 - كان من المنطفي والضروري أن تشير المذكرة الى مخاطر الفتنة السنّية – الشيعية على مسيحيّي لبنان والمنطقة، وهو أمر كنا من اوائل من دعا الى تجنّب مضاعفاته في محاضرة لنا امام مؤتمر بطاركة الشرق الكاثوليك في الربوة عام 1994 حول مصير مسيحيي الشرق. وحذرنا الآباء من فتنة شيعية – سنية آتية تغذيها قوى دولية واقليمية وان عليهم العمل على وأد هذه الفتنة والعمل للتفاهم السني – الشيعي وتجنيب المسيحيين ان يكونوا من ضحاياها!
في الخلاصة، المذكرة الوطنية هي كلام في السياسة (La Politique) وليس في السياسي (Le politique). انها طرح توصيفي للوضعية اللبنانية وليست طرحاً تحليلياً لهذه الوضعية. فالطرح التحليلي يتخطى ظاهر الوضعية ويذهب الى الاسباب والمسبِّبات والقوى والدول والاحتلالات التي هي في اساس الهواجس والمشاكل والصعوبات والهموم التي يعاني منها لبنان واللبنانيون. ومثل هذه الرؤية بحاجة الى تحليل علمي جيو – سياسي للوضعية اللبنانية تتعمّد تسمية الأمور بأسمائها ولا تتوخى تجهيل الفاعل. وفي هذه الناحية بالذات، يقوم الفارق الأساسي بين المذكرة البطريركية بتاريخ 6/ 2/ 2014 ونص المجمع الماروني حول "الكنيسة المارونية والسياسة" (2006).

 

← Back to Selected Articles