الضمان ممارسة الشراكة لا حقيبة وزارية - سركيس نعوم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
رئيس الجمهورية اللبنانية كان منذ الإستقلال حتى الآن مسيحياً مارونياً. وكانت سلطاته الدستورية واسعة جداً. وقائد الجيش اللبناني كان مسيحياً مارونياً أيضاً. كما كان الموارنة والمسيحيون إجمالاً على رأس إدارات عامة ومؤسسات وأجهزة متنوعة. لكن ذلك على أهميته لم "يضمن" دورهم ونفوذهم كما كانوا يعتقدون. إذ بدأ الوهن يتسلل تدريجاً إلى الدور المسيحي، بفعل عوامل عدة. منها زوال الغالبية الديموغرافية للمسيحيين التي كانت أساساً صغيرة جداً وفقاً للإحصاء اليتيم الذي أجراه الفرنسيون عام 1932 بفعل النمو الديموغرافي للمسلمين. ومنها أيضاً تطور الأوضاع في العالم العربي (نشوء دولة إسرائيل في فلسطين بعد تهجير قسم كبير من شعبها، وصعود تيار القومية العربية بعد ثورة 1952 في مصر) في طريقة دفعت المسلمين إلى الشعور أكثر بانتمائهم العربي وإلى الحماسة لمشروع الوحدة العربية، وأخافت المسيحيين الذين كانوا يرفضون اي وحدة لاقتناعهم باستحالة الفصل بين العروبة والإسلام في عقول المسلمين، ولخوفهم من الذوبان بسببها. ومنها ثالثاً "تعسكر" الوجود الفلسطيني في لبنان وتحوّله فريقاً في الصراع المتنوِّع بين مسيحييه ومسلميه. ومنها رابعاً وأخيراً عدم مبادرة المسيحيين يوم كانوا اصحاب الدور الأول إلى تطوير صيغة الحكم بحيث تصبح أكثر ديموقراطية فتكرِّس الشراكة الفعلية بين ابنائه الذين صاروا لاحقاً "شعوباً" رسمياً، وتجعل الولاء الأول والإنتماء الأول عندهم هو للوطن وللدولة.
هذا الكلام يعرفه المسيحيون لكنهم ينسونه حيناً ويتجاهلونه حيناً فيمارسون، من خلال قياداتهم والزعامات، سياسة توقعهم في الأخطاء وتحقِّق عكس ما يطالبون به، وأبرزها إزالة الوهن من المشاركة المسيحية في الدولة والسلطة والحكم. هذا حصل يوم الأحد الماضي عندما اعتبر وزير "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، وهو الأقرب إلى مؤسسه ورئيسه العماد ميشال عون، في مؤتمر صحافي أن احتفاظ المسيحيين (والمقصود هو) بحقيبة الطاقة في الحكومة "الجامعة" سيكون ضماناً لهم. والحقيقة أن موقفه أثار تساؤلات كثيرة لعل أبرزها الآتي: إذا كانت المناصفة في مجلس النواب والحكومة ووظائف الفئة الأولى التي أقرها اتفاق الطائف لعام 1989، ومعها الرئيس المسيحي الماروني، لا تشكل ضماناً للمسيحيين في ظل تمسك المسلمين بفروعهم كلها به، ظاهراً على الأقل، فهل ستشكّل حقيبة الطاقة هذا الضمان؟ وهل يعني تولّي ماروني أو مسيحي من طائفة أخرى حقيبة الطاقة، بعد ثبوت توافر ثروة غازية ونفطية لبنانية كبيرة معظمها في مياهه، أن مواردها ستستعمل لتقوية مواقع الطوائف المسيحية، ولتعزيز مؤسساتها ولبناء مناطقها، أو ستخصص لتنميتها فقط؟ أليس مجلس الوزراء بنصفيه المسيحي والمسلم، وبتحالفات أطرافه السياسيين التي اخترقت لأول مرة الحاجز الطائفي ولكن لتقع في الحاجز المذهبي، هو الذي يُفترض أن يقرِّر في كل ما يتعلَّق بهذه الثروة وليس وزير الطاقة وطائفته ومذهبه؟ وهل يُخفي استشراس الوزير باسيل "وزعيمه" العماد عون في التمسك بحقيبة الطاقة رغم المضاعفات السلبية لذلك، وأهمها انهيار مشروع الحكومة "الجامعة" وعودة الحياة إلى مشروع حكومة الأمر الواقع المسماة "إصطناعياً" حيادية، أو وقوع السلطة التنفيذية المحصورة دستورياً في مجلس الوزراء في الفراغ، هل يُخفي ذلك صراعاً بين الوزير وفريقه وجهات من وزنهما في طوائف ومذاهب أخرى على "السيطرة" على القطاع النفطي – الغازي؟ وهل الهدف من السيطرة مكاسب فئوية أو شخصية؟ أم إن الهدف من الاستشراس هو التوصل إلى صفقة تتعلق بتأمين وصول عون إلى رئاسة الجمهورية؟
طبعاً لا أجوبة لدينا مدعمة بالوثائق عن التساؤلات المذكورة اعلاه. لكن هناك ملاحظتان. الأولى، أن اللبنانيين صاروا يتمنون بقاء "ثروتهم" الجديدة في قاع البحر كي لا يصبحوا مثل دول نفطية كبيرة (في افريقيا) غنية أيضاً بموارد أخرى ولكن فقيرة بسبب الفساد. والثانية أن ضمان الوجود المسيحي الحر والفاعل في لبنان هو في استمرارهم شريكاً كما صاروا بعدما ضعفوا ثم بعد خسارتهم الحروب، وليس في ممارسة سياسات تُحوِّلهم أقلية مثل إخوانهم في الدين في العالم الإسلامي. ويبدو أن بعض قياداتهم ومراجعهم يمارس مثلها.
ماذا عن تلويحات الوزير باسيل المتعلقة بتحالفه التاريخي من جهة و"بعدوِّه" التاريخي من جهة أخرى؟ وماذا عن أسبابها الحكومية؟
sarkis.naoum@annahar.com.lb