لماذا لا يقرّ العرب المسلمون بأخطائهم؟ - محمد فاعور (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
زخر التاريخ العالمي من زمن سقراط الى اليوم بمواقف شجاعة لفلاسفة ومفكرين وقادة سياسيين اقروا فيها بأخطاء جسيمة ارتكبوها، ثم ارفقوا مواقفهم باعتذار علني ممن تضرر من جراء تلك الأخطاء. ونذكر على سبيل المثال اعتذار قادة المانيا بعد الحرب العالمية الثانية عن جرائم النازية في حق اليهود وتبرئة البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2009 للشعب اليهودي من دم المسيح واعتذار رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عام 2006 عن دور بلاده في تجارة الرقيق.
اما التاريخ العربي الاسلامي فيفتقر الى الزعماء السياسيين الذين اقروا بأخطائهم تجاه شعوبهم او شعوب آخرين او اعتذروا عن قرارات اتخذوها وتسببت باضرار كبيرة للبشر. وفي الحالات التي اعترف فيها قادة عرب بارتكاب بعض الأخطاء، كان الاعتراف غامضاً وغير محدد والمتضررون مجهولين، وكأن هذه الاخطاء هفوات غير جديرة بالذكر.
وجدت هذا التوجه مسحوبا على معظم من يتبوأون مواقع السلطة والادارة العليا في القطاعين العام والخاص في المجتمعات العربية الاسلامية، ونادراً ما نسمع بحالات تشذ عن هذه الظاهرة العامة مثل حالة أسعد الشفتري احد القادة العسكريين لـ"القوات اللبنانية" خلال الحرب الاهلية الذي اعتذر للبنانيين عما ارتكبه من خطايا.
والسؤال: كيف نفسر هذه الظاهرة الثقافية المنتشرة في المجتمع العربي الاسلامي؟
لنبدأ من عملية تنشئة الطفل في البيت ثم المدرسة. هل يربي الابوان اطفالهما على ثقافة المساءلة والشفافية والمسؤولية الشخصية ومواجهة الحقيقة بصراحة وشجاعة؟ هل يعلمونهم ضرورة الاعتراف بأخطائهم وممارسة النقد الذاتي والاعتذار عن أي ذنب تسبب بضرر ما لبشر أو حجر أو بيئة؟
لا ريب أن ثمة اطفالا في مجتمعاتنا يترعرعون على قيم المساءلة والاعتذار عن الخطأ واحترام الرأي المخالف والتسامح، انطلاقا من اقوال ماثورة مثل "الاعتراف بالخطأ فضيلة" و"الساكت عن الحق شيطان أخرس" و"العفو عند المقدرة". لكن الشائع الذي نشهده في الاسرة والمدرسة والحياة العامة مختلف تماما. فالاقوال الاشد تاثيراً في أفعال الناشئة تزرع قيماً مغايرة: "واذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا" أي لا تكشفوا عيوبكم امام الآخرين وتجنبوا مواجهة الواقع المرير بجرأة وشجاعة، و"الكذب ملح الرجال" مما يجعل الصدق قيمة مذمومة بدلاً من ان تكون حميدة، و"الحق عالطليان" مما يعفي المرء من مسؤوليته الشخصية عن عمله او اخطائه، و"انصر اخاك ظالماً او مظلوماً" متجاهلاً نصرة الحق على الباطل عندما تتعلق المسألة بالاسرة والعشيرة والطائفة الدينية.
اما الحديث عن التسامح فنجده في كتب التربية الدينية في مدارس الدول العربية، مقتصراً على الجانب الديني حيث يطلب من المسلم، مثلا، تقبل المؤمنين بالاديان السماوية الاخرى (المسيحية واليهودية) دون التطرق الى المعنى الاوسع لهذه القيمة الانسانية. الا وهو التسامح مع المخالف لرأينا او المذنب الذي يقر بذنبه ويتعرض للعقوبة القانونية المناسبة لذلك. ومفهوم التسامح مرتبط باعتماد التعددية كأحد أركان الديموقراطية الحديثة.
ويأتي مفهوم "التوبة" في كتب التربية الدينية الاسلامية في مدارس الدول العربية في سياق ايماني يرتبط بالتقصير في حق الله عز وجل أو معصيته، كقول النبي محمد "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". وهكذا عندما يعتذر المسلم فهو يعتذر من الله تعالى فيستغفره لذنوبه، حيث هناك آيات عديدة في القرآن الكريم حول مفهومي "الاستغفار" و"التوبة".
ويبدو ان الاستغفار بمفهومه الديني الاسلامي قد طغى في اذهان كثير من العرب المسلمين على مفهوم الاعتذار الموجه الى البشر أساساً وليس الى خالقهم، مما يدفع الساسة والمسؤولين الى رفض الاعتذار من الناس المتضررين من اخطائهم مهما كان الضرر هائلاً فهم يمثلون أمة لا يليق بها ان تظهر الا بمظهر القوة والكمال والمجد. وهذا السلوك الفردي والجماعي يبين ضخامة العمل المطلوب، ولا سيما في الاطار المجتمعي والتربوي، من أجل تغيير منظومة القيم الاجتماعية لبناء مجتمع ديموقراطي تعددي مستقر.