مصالحة تاريخية - ساطع نور الدين (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ضاعت غزوة السفارة الايرانية سدى. لانها جاءت من خارج اي سياق سياسي، ولم تخدم اي غرض سياسي.. ولن يبقى منها سوى الجرح المذهبي العميق الذي خلفته في الجسد اللبناني المتهالك.
ليست المرة الاولى التي ينفذ فيها تنظيم القاعدة عمليات ارهابية هدفها القتل الجماعي فقط، تعديل ميزان الدم،وتغيير طريقة استخدامه. لكنه هذه المرة بدا انه يمارس هواية، يقدم عرضا للقوة، اكثر مما يحدد وجهة،ويفرض نفسه طرفا في اي معادلة، لبنانية كانت ام سورية، ام ايرانية-سعودية.
هدر التنظيم دم العشرات من اللبنانيين، ومعهم الانتحاريان، من دون ان يتمكن من تعطيل او تأجيل الاتفاق النووي الاميركي الايراني. لم يكن هذا هو هدفه الفعلي، لكنه كان يمكن ان ينتظر ستة اشهر فقط ليتبين ما اذا كان ذلك الاتفاق ذلك سيحد من نفوذ ايران في لبنان وتوسعها في العالم العربي. الارجح ان غزوة السفارة ساهمت في تسريع الاتفاق، وفي توصل الاميركيين والايرانيين الى تصور جديد لمصالحهما وبرامجهما المشتركة، وأهمها مواجهة ذلك النوع من الارهاب الاسلامي السني في المنطقة الممتدة من افغانستان وحتى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا.
لكن هذا البعد الامني للاتفاق الاميركي الايراني لا يشكل البند الابرز، فهو مجرد تحصيل حاصل. بعد ساعات على التوقيع في جنيف، كشفت واشنطن ان اللقاءات الثنائية السرية مع الايرانيين بدأت منذ اكثر من عام، ولم يكن الملف النووي جدول اعمالها الوحيد، والمحت الى تفاهمات امنية - وبالتالي سياسية - سبقت المفاوضات في المدينة السويسرية، ولعلها كانت شرطا من شروط نجاحها.
في الجوهر، يمثل الاتفاق النووي الذي جرى توقيعه فجر الاحد تسوية بين دولتين في أزمة داخلية عميقة، معالمها ظاهرة في كل من اميركا وايران، وفي مختلف مناحي الحياة. لم يكن احد في البلدين ينكرها او يزعم ان المخرج منها يمكن ان يكون بالذهاب الى حرب تقليدية اميركية ايرانية، او حتى الى مواجهات امنية او اختبارات سياسية بين البلدين.. اللذين بلغا ذروة "الاستكبار"، وباتا مضطرين لتحقيق المصالحة التاريخية استجابة لرغبات دفينة لدى شعبيهما.
لم يكن البرنامج النووي الايراني خطرا فعليا. كان ولا يزال في مراحله البدائية. استخدم من قبل الايرانيين والاميركيين على حد سواء كورقة ضغط لا اكثر. كانت طهران ولا تزال تود انتزاع الاعتراف بمساهماتها الافغانية والعراقية وحتى الخليجية في خدمة اميركا. وكانت واشنطن ولا تزال حتى اللحظة تضخم الخطر النووي الايراني لكي تتفادى مثل هذا الاعتراف وتتجنب دفع ثمنه الباهظ في افغانستان او في العالم العربي.
الان وبعد اتفاق جنيف، خرجت القنبلة النووية الايرانية المزعومة التي ضربت لها مواعيد وشيكة، من التداول. يمكن ان يرتفع ضجيج الاسرائيليين لبعض الوقت، لكنهم سرعان ما سينضبطون في المسار الاميركي الجديد: اختار الاميركيون والايرانيون التواضع، والالتزام بالواقعية السياسية التي يفرضها الرأي العام في البلدين. البرنامج النووي الايراني السلمي، المعترف به من قبل الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش، يستمر برعاية روسيا في حدوده المدنية الخاصة بانتاج الكهرباء والادوية..ما يفترض ان يعبر ايضا عن انضباط ايران وطموحاتها السياسية، وفق جدول الاعمال الذي رسمه الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني والغالبية الشعبية الايرانية الساحقة التي اختارته للقيام بهذا الدور تحديدا.
المصالحة التاريخية الاميركية الايرانية أصبحت أمراً واقعا، طال انتظاره اكثر من 35 عاما من عمر الفراق الناجم عن تراكم الاخطاء المتبادلة وردود الافعال الانفعالية بين البلدين والشعبين. الاشتباكات السابقة بينهما لم تكن تمثل جوهر الازمة التي يواجهها العالمان العربي والاسلامي. كانت اشبه بمناوشات جانبية، استخدم فيها البعض وتورط فيها البعض الاخر، ممن ستجري التضحية بهم من قبل طهران وواشنطن معا.. وستظل غزوة السفارة الايرانية في بيروت خارج هذا السياق.