«المسألة المسيحية» موضوع مفتعل - غسان العياش (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
من حق المسيحيين رفع الصوت لإظهار التعدّيات التي تقع عليهم، في خضمّ الفوضى التي تعمّ منطقتنا منذ ثلاث سنوات ونيّف. وهذا ليس حقا للمسيحيين فحسب، بل هو واجب وضرورة، إذا كان يساعد في رفع الظلم الذي يستهدف المسيحيين في المشرق والمغرب العربيين من قبل فئات ظلامية متعصّبة، غريبة بفكرها وسلوكها عن ثقافة الغالبية العظمى من المسلمين العرب.
الذين يقذفون فتاة مسلمة في أفغانستان بالمياه الحارقة، لأنها تخالف التقاليد بذهابها إلى المدرسة، ويقتلون فتى مسلما في حلب لأنه استعمل لغة غير لائقة بحق الرسول الأكرم، وقتلوا فرج فودة في القاهرة لأنه طالب بقيام الدولة المدنية، واعتدوا على نجيب محفوظ، هؤلاء أنفسهم يستهدفون المسيحيين العرب بين الحين والآخر، بالقتل أو بالتعدّي على الكنائس والمقدّسات.
ولكن، ولمناسبة انعقاد «اللقاء المسيحي المشرقي» في لبنان، هناك أمران يستعصيان على الفهم:
÷ الأوّل هو تصوير الأحداث الجارية في المنطقة على أنها، في جوهرها، مؤامرة على المسيحيين والوجود المسيحي. هذا الإدّعاء مخالف للحقيقة والواقع، لأن ما يجري هو عنف يطال المنطقة بكل شعوبها ومكوّناتها، تختلط فيه الثورة على الظلم والفساد مع الصراعات الإقليمية والحسابات الدولية، وتتدخل فيه القوى الظلامية كأدوات في الصراع، ليس أكثر. الادّعاء بأن الوجود المسيحي في المشرق هو غاية «المؤامرة» لا يفيد المسيحيين، بل يضرّهم، لأنه يغذي الخوف لديهم ويشجّعهم على الهجرة وإخلاء أوطانهم الأمّ.
قال المبعوث العربي الدولي الأخضر الإبراهيمي قبل يومين إن نصف سكان سورية باتوا نازحين أو مهجّرين إلى خارج بلدهم، فهل هذا مخطّط ضد المسيحيين أم هو إعصار يضرب كلّ السوريين، مسلمين ومسيحيين؟
÷ أمّا الأمر الثاني، فهو تجيير لقاء مسيحي وصف بالمشرقي لخدمة الأنظمة على حساب الشعوب، والاستبداد ضد الديمقراطية. وهذا أمر لا يليق بمن اعتبروا أنفسهم ممثلين لمسيحيي المشرق، لأن المسيحية الحديثة والمعاصرة، حسّاسة تجاه مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي يرفع لواءها الغرب المسيحي.
ففي الأطروحات التي قدّمت في اللقاء، وفي وثيقته الختامية، شهادة زور موصوفة، تمثلت بتغييب وجود القوى الديمقراطية والحضارية في مجموع الحركات التي عرفت بالربيع العربي، وتصوير هذه الحركات على أنها أصولية تكفيرية فقط. وقد طمست المطالبة بالحرية والديمقراطية ودولة القانون، جوهر الربيع العربي، لإظهار التعصّب الديني على أنه المحرك الوحيد للأحداث العربية. صحيح أن التكفيريين موجودون بقوّة على الأرض، ولكن حربهم مع القوى المستنيرة، في سورية مثلا، بدأت قبل أن تؤتي الثورة ثمارها أو تصل الأحداث إلى خواتيمها. وفي مصر، كما في تونس، ترتفع أصوات حرّة، يحتاج محترفو السياسة اللبنانية إلى عقود ليصلوا إلى شجاعتها في الدفاع عن الحرية، أو يبلغوا وعيها لمفاهيم الديمقراطية والحقوق المدنية وسيادة القانون والدولة الدستورية. وعندما حاول الإخوان المسلمون الاستئثار بالسلطة في مصر، رغم أنهم رسميا غير تكفيريين، انتفضت شوارع مصر وانتزعت السلطة من أيديهم، تحت شعار لا يقبل التأويل أو التفسير: لا للدولة الدينية.
كل هذه الحقائق المنيرة والمشرّفة يتجاهلها ويخفيها «المسيحيون المشرقيون» المجتمعون في الحبتور، إكراما للحلفاء وطمعا بمكاسب سياسية محلية.
يرجى أن يتسّع الصدر لملاحظة تأتي من خارج المجتمع المسيحي، والأصحّ المجتمعات المسيحية المشرقية، ومبرّرها أنها تأتي من مؤلف كتاب عن إصلاح الكنيسة المارونية في القرن الثامن عشر، ضمن ما يسمّى اليوم بالمجمع اللبناني.
يسعى العماد ميشال عون منذ فترة لتكوين مرجعية مسيحية مشرقية، من المفترض أن تكون زعامتها السياسية معقودة له. وهذا الأمر يخالف الحقائق التاريخية، لأن قرونا من الجهود التي خاضها الفاتيكان لتوحيد الكنائس الشرقية، تحت سلطته، لم تفلح في إقناع الكنائس الشرقية بالتخلي عن استقلاليتها وكياناتها الذاتية. ولم تنفع المجامع المسكونية (لاتران 1215، وفلورنسا 1439 وسواها) في ذلك، ولا حراب الصليبيين التي حاولت، بالقوّة، إخضاع كنائس الشرق لسلطة البابا، لذلك يصعب على التيار الوطني الحرّ إنجاز هذه المهمّة.
الكنيسة المارونية التحقت بالبابوية منذ ألف عام، خلافا للكنائس المشرقية الأخرى، والتزمت باللتينة في الهيكلية الكنسية والطقوس منذ سنة 1736. لذلك، إذا كان هذا التوحيد ممكنا، فلن يكون بقيادة زعيم ماروني، ديني أو سياسي، لأن المشرقيين يعتبرون الطائفة المارونية العزيزة جزءا من الكنيسة اللاتينية الغربية، وليست من نسيج المسيحية المشرقية.
فمن الأجدر تعديل الشعار المطروح، منذ زيارة حلب، لكي يصبح أكثر انسجاما مع الواقع.