بورغن أو السياسة المُشتهاة - زياد ماجد (ناو ليبانون)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
يحقّق المسلسل السياسي الدنماركي "بورغن" (الذي تعرضه عشرات القنوات التلفزيونية عبر العالم) نجاحاً كبيراً لجهة استقطابه اهتمام قطاعات من المشاهدين والمشاهدات تبحث اليوم عن معنى متجدّد للسياسة ولممارستها.
البرنامج هو سيرة افتراضية لامرأة (بيرغيت نيبورغ) تنخرط في العمل السياسي في كوبنهاغن وتتولّى رئاسة الحكومة ثم تخسرها فتقرّر الخروج من حزبها الوسطي وتأسيس حزب جديد (وسطي – يساري).
وتتعدّد الأفكار موضع النقاش داخل الحزب هذا وعلى الصعيد الوطني الدانماركي: من الاقتصاد والضرائب الى شؤون "الأجانب" والهجرة مروراً بقضايا البيئة وسياسات التعليم والإسكان وقوانين العقوبات وصولاً الى مسائل من نوع حظر الدعارة. وتخوض رئيسة الحزب "صراعاتها" السياسية وحملاتها الانتخابية وسجالاتها الإعلامية حاملة مواقف حزبها ومحاولة من خلالها التميّز عن منافسيها يميناً ويساراً.
ويتيح خوضها الصراعات والحملات والسجالات دخولاً الى الاجتماعات والى ما يسمّى بالكواليس حيث المفاوضات والتسويات وحيث التوازنات الدقيقة بين العناصر "الأخلاقية" وبين الانتهازية السياسية و"البراغماتية" ومعاني المقايضات وسبُل صنع القرار. كما يُتيح تعرّفاً الى أشكال احترافية في العمل التنظيمي وفي الإدارة التكنوقراطية وفي المسائل الاستشارية.
والمسلسل يعرّف مشاهديه أيضاً الى عوالم الصحافة الرصينة كما الفضائحية، والى عالم الأعمال وعلاقات رجاله، كما الى جوانب من الحياة الشخصية والحميمة لأبطال السياسة وبطلاتها، بما يبقيهم في نزواتهم ولحظات ضعفهم وفشلهم أو في حالات فرحهم وانتصارهم أناساً عاديّين تكمن استثنائيّتهم حصراً في خصائص عملهم وأدوارهم العامة. وفي هذا ما يجعلهم "أسوياء" لا يعدّل حضورهم "الرصين" في الحقل السياسي أنشطتهم العائلية ومتاعبهم العاطفية وعيشهم التجارب التي لا ترتبط بالسياسة إلاّ بمقدار أثر الأخيرة (بوصفها "مهنتهم") على أولويّاتهم وخياراتهم الفردية.
بورغن، أو "القلعة" وهي التسمية التي يطلقها الدانماركيون على "قصر السُلطة" حيث مقرّات البرلمان ورئاسة الحكومة والمحكمة العليا، مسلسلٌ يؤنسن السياسة إذاً ويضعها في متناول الناس مُظهراً السياسيين كائنات "طبيعية"، نازعاً عن اختصاصهم ما يحوّله جدار فصل وتمييز لقلّة لا يمكن الاختلاط بها أو تخيّل يوميّات أفرادها والمشاكل التي يُحسب أن موقعهم يحصّنهم من احتمالاتها. وهو فوق ذلك يعيد الاعتبار الى صراعات الأفكار والمشاريع السياسية وينفي تشابه الجميع إنطلاقاً من السأم من أدائهم أو من الغُربة عن حواراتهم.
وإن كان صحيحاً أنه سكاندينافي في ثقافته الى حدّ بعيد، إلاّ أن الصحيح أيضاً أن نجاحه في دول (غربية) كثيرة تعاني من تراجع الاهتمام بالسياسة ومن النظرة السلبية العامة تجاه السياسيّين يدفع للبحث عمّا في الثقافة السكاندينافية من عناصر جذب يعبّر عنها البرنامج. ويدفع للبحث أيضاً عمّا إذا كان لتأنيث قيادة العمل السياسي (عبر شخصيّتي بيرغيت نيبورغ ومعاونتها الإعلامية كاترين فونسمارك) دور في جعل السياسة تبدو أكثر "نزاهة" والفاعلين السياسيّين أكثر استقامة.
يبقى أنه قد يبدو ساذجاً أن نطالب بعرض المسلسل هذا في منطقتنا حالياً. فهو عن السياسة وعن الخيارات وتداول السلطة، أي عن نفس الأمور التي يحرق أوغاد بلاداً بأكملها لأن أهلها قرّروا ذات يوم السؤال عنها.