Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

أرباح المصارف وخسائر الاقتصاد - غسان العياش (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 عندما صرّح حاكم مصرف لبنان الأستاذ رياض سلامة لقناة «العربية» أن الاقتصاد اللبناني تعرّض لخسائر هذا العام تناهز سبعة مليارات دولار، متوقعاً، في التصريح نفسه، أن تنمو أرباح المصارف بين 3 و5%، شعر مثقفون يساريون بأن هذه التصريحات تقدّم لهم صيداً ثميناً. فقد ربطوا، من دون سبب مقنع، بين أرباح المصارف وخسائر الاقتصاد واعتبروا، في تعليقات على موقع فايسبوك، أن الحاكم قدّم الدليل على أن المصارف تربح وتنمو من خلال «مصّ دم» الاقتصاد ولا تنهض إلا على أشلائه.
من موقع الغيرة على اليسار أكثر من الحرص على سمعة المصارف، لا بدّ من التنويه بأن هذه التصوّرات مناقضة كلياً للحقيقة، ومن غير المسموح بعد كل التجارب في لبنان والعالم أن تبقى تفسيرات التقدّميين للظواهر الاقتصادية مدفوعة بالأحكام الإيديولوجية المسبقة، وبالطفولية وعدم النضوج.
ما من شك بأن هناك إشكاليات متعدّدة قابلة للنقاش حول الصناعة المصرفية في لبنان، قد تثير نقداً مشروعاً لبعض جوانب النظام المالي اللبناني، أهمّها على الإطلاق دور المصارف في تحقيق التنمية وتمويل الاقتصاد. ولكن القسط الأكبر من السلبيات المتعلقة بهذا الجانب تتحمّل مسؤوليته، بالدرجة الأولى، أوضاع المالية العامّة وإدارتها المتردّية، المتفرّعة من تردي الحياة السياسية في لبنان. أما ربحية القطاع فهي ليست موضوع مساءلة أو اتهام، بل هي مدعاة للترحيب والتشجيع، وهي ليست عنصراً ضدّ الاقتصاد بل هي عامل مساعد له.
أوّلاً: من ناحية حسابية مجرّدة ليست هناك علاقة عكسية بين أرباح المصارف ونموّ الاقتصاد لأن نتائج القطاع المصرفي هي جزء من العناصر المكوّنة للناتج المحلي. فإذا ربحت المصارف كان ربحها عاملاً إيجابياً لصالح النموّ الاقتصادي، وإذا خسرت تحمّل الخسارة للاقتصاد ككل.
ثانياً: ربحية المصارف تسير بالتوازي مع الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، وليس عكسها، فعندما يتراجع الاقتصاد يتراجع حجم النشاط المصرفي وتتقلص ربحيّته، وفي أوقات الإزدهار والاستقرار تتعزز ربحية المصارف ويتضاعف نشاطها. ففي العام الماضي، عندما بدأ الاقتصاد اللبناني يتأثر سلباً بالتطوّرات غير الملائمة في لبنان وسوريا، واجه القطاع المصرفي اللبناني ظروفاً صعبة أثرت على نشاطه. فبينما ضاق هامش الربح بفعل المستويات المنخفضة عالمياً لمعدّلات الفوائد، اضطرت المصارف إلى تكوين مؤونات كبيرة من أرباحها لمواجهة الأخطار الناجمة عن التطوّرات الإقليمية وعدم الاستقرار الداخلي، كما أدّى تراجع الأداء الاقتصادي إلى تقلّص العائدات على أنواعها. ولم يعوّض عن هذا المنحى إلا زيادة التسليفات للاقتصاد بتحفيز من البرامج التشجيعية لمصرف لبنان، فبلغت التسليفات للقطاع الخاص، نهاية العام الماضي، 54 مليار دولار، بزيادة قدرها 5.6 مليار دولار في عام واحد.
ثالثاً: إن أرباح المصارف ليست منافع صافية لمساهميها فحسب، بل هي تتصل بمكاسب إضافية تتجاوز المساهمين. خلال السنوات الخمس المنتهية سنة 2012، حققت المصارف اللبنانية أرباحاً صافية بلغت سبعة مليارات دولار. ولكنها أيضاً دفعت 4.5 مليار دولار كمنافع للمستخدمين و1.3 مليار دولار كضريبة دخل، يضاف إلى الضريبة على توزيع الأرباح التي يصعب تقديرها بدقة، لأنها تتعلق بسياسة توزيع الأرباح في كل مؤسّسة مصرفية على حدة.
رابعاً: تشكل الأرباح المصرفية الكافية، مبدئياً، حماية للمؤسّسات المصرفية ومدخرات المودعين، وعنصر ثقة بالمصارف الوطنية من قبل النظام المصرفي العالمي، بما يمكّنها من خدمة الاقتصاد بصورة أفضل. والربحية تساعد على تطوير المؤسّسات المصرفية والمهنة المصرفية ككل، من خلال تغذية الرساميل بجزء من الأرباح. وفي لبنان، تقدّر المبالغ التي يعاد ضخها عادة في الرساميل، وفي القطاع ككل، بنسبة 25%.
مصلحة المجتمع، بكل طبقاته، وجود نظام مصرفي قوي وحديث ونظيف ومربح، مقبول من النظام العالمي وملتزم بمعاييره. حتى لو كان هذا الأخير يخضع لمصالح القوى المتحكمة بالعالم، فإن الخروج عليه هو خروج من العالم وانحدار نحو التخلف والعزلة، وقوّة الرسملة هي من أهمّ شروط اعتراف النظام المصرفي العالمي بالنظام الوطني. لقد تحدّت إيران الغرب على مدى ثلاثة عقود وجنّدت نفسها لمقاومة الظلم و«الاستكبار»، وها هي تضطر لعرض تنازلات جوهرية لقاء فك الحصار المصرفي الدولي عنها. والدول التي خضعت طويلاً للتخطيط المركزي للاقتصاد، تسعى بلا كلل لإعادة تأسيس أنظمتها المصرفية طبقاً للنسق الغربي، ووفقاً لقواعده ومعاييره.
لذلك، فإن نقد السلوك المصرفي اللبناني يجب أن يقتصر على فحص فعالية النظام المالي في تمويل الاقتصاد، وسلامة الإدارة المصرفية وأخلاقياتها وكفاءتها، كذلك، استقلالية سلطات الرقابة وفعاليتها. وفي هذه المواضيع، وسواها، هناك مجال واسع للتعليق والنقاش.

← Back to Selected Articles