Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

"الأنظمة المتكسّرة" لبول سالم: ديناميكيّات النضج والإفلاس - جهاد الزين (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

 كما يُقال عن كتابٍ أنه من جزأين أو مجلّدين، فإن كتاب الدكتور بول سالم "الأنظمة المتكسّرة" هو من زمنين.

من الملفت أن اختيار بول سالم لمقالاتٍ وأحيانا لأوراقٍ كتبها قبل وخلال "الربيع العربي" يعطينا فرصة لكي نلاحظ كيف بات الشخص الواحد أيا تكن درجة تماسكه العلمي والفكري والسياسي، وبول سالم نموذج لكاتب متماسك وهادئ كمراقب سياسي واستراتيجي، كيف بات الشخص الواحد يقيّم البلدانَ وعلاقاتِها بطريقتين مختلفتين خلال سنوات قليلة بين 2007 و2012 هي مروحة السنوات التي اختار بول مقالاته منها بل خلال سنة واحدة قبل 2011 وبعد 2011.
شكلاً تنطبق هذه الملاحظة على كل كاتب عربي أو غير عربي يكتب عن قضايا منطقتنا بعد 2011 وليس على مؤلّف هذا الكتاب وحده. على أن المثير بالمقابل أن الفصل الوحيد الذي تكاد لا تنطبق عليه هذه الملاحظة داخل كتاب بول سالم من بين الفصول الخمسة التي يتضمنّها هو الفصل الذي عنونه: الصراع العربي الإسرائيلي. هل السبب العميق هو أن الصراع العربي الاسرائيلي هو الوحيد الذي لا زال ينتمي إلى "العصر القديم" بين قضايا منطقتنا قياسا بالعصر الجديد الذي افتتحه "الربيع العربي"؟ وهو جديد أكان سيظل ربيعاً أو أصبح أو سيصبح شتاءً هنا أو هناك بعدما انضمّ الأمين العام للأمم المتحدة إلى تبنّي هذا التوصيف الكئيب، أكان حاملا لفردوس الأفكار الديموقراطية الجديدة أم لكوابيس جحيم الحروب الأهلية وتفتّت دولنا؟
نحن في هذا الكتاب (الصادر عن "دار النهار" و"مركز كارنيغي للشرق الأوسط") أمام معلّق سياسي من طراز غربي، طراز استاذ العلوم السياسية الذي يعلّق في الصحافة بشروط صحافة الرأي ولكن بمنهجية الأكاديمي. وهو بهذا المعنى - واعذروني على التعبير- كاتب نظيف. أي أن نصوصه التي تُكْتب بلغة عرضٍ مبسّطة وبمضمون تحليلي وبخلفية غير ظاهرة شديدة الاطلاع على المادة التي يتناولها هي أحد أشكال ما يمكن أن تتبادل الأكاديميا والصحافة فوائدَه. فرغم أن صفحات الرأي في صحفنا قطعت أشواطا واسعة في تحويل الأكاديمي إلى "زبون" دائم فيها إلا أن صحافتنا اللبنانية ومعظم العربية لا تزال متخلّفة عن بناء علاقة بنيوية بين الأكاديميا والصحافة عكس ما يحصل في الغرب وبعض صحافة الجنوب. أعني أن الأكاديمي يجب أن يصبح ليس فقط مساهما برّانيا في المقالة بل أحد مصادر الخبر، وأكثر أستطيع القول أحد عناصر الخبر. عدد الأكاديميين الذين هم صحافيون ومعلّقون محترفون في الصحافة الغربية كبير وفي تركيا ونسبياً في مصر يقفون في منتصف الطريق بيننا وبين الغرب من حيث أنهم أكثر إيغالاً منا في تحويل الأكاديميين إلى صحافيين محترفين يغادر الواحد منهم مكتبَه ليذهب إلى الجامعة والعكس.
أعرف أن بول جرّب ولا يزال أشياء كثيرة في حياته المهنية منها التعليق في صحافة الرأي التي بسببها يخرج أساساً كتابه هذا. وهنا أدعوه إلى أن يذهب وأمثاله أبعدَ ذات يوم فيدخلون المهنة كرؤساء تحرير أو كأعضاء مجالس تحرير في صحفنا. الأكاديمي يستطيع أن يطوّر مستوى الصحافة والصحافة تستطيع أن ترفع من مستوى نباهة الأكاديمي. أعني هنا طبعا بصورة خاصة الأكاديمي اللامع والصحافي المبدع.
بول سالم يخدعنا دائما، إذا كان لكلمة خدعة معنى إيجابي. هو يمتطي سلاسَتَه فيَطْمَئِنّ القارئُ إلى مجرى كلماته وإذا به فجأة يُطْلق استنتاجا عنيف المضمون بلغة هادئة. إنه مراقب حقيقي لا ينفعل ولكن تنطوي بين كلماته لا المعرفة المعاصرة بالعالم وتطوراته السياسية والاقتصادية فحسب بل أيضا الملاحظة الثاقبة.
يستخدم في الصفحة 14 تعبيرا أعجبني: "اندلعت الديموقراطية"...في معرض مقارنة الموجات الديموقراطية التي عرفها العالم منذ السبعينات في بعض أوروبا الجنوبية وأميركا اللاتينية حتى أواخر الثمانينات مع سقوط جدار برلين في أوروبا الوسطى إلى العالم العربي اليوم ويلاحظ بعمق أن أحد الفوارق المهمة هي أنه في بعض الموجات الديموقراطية تكون مؤسسات النظام السلطوي قد نضجت من قضاء وبيروقراطية فاعلة ومجتمع مدني حيوي فتتلقّف هذه المؤسّساتُ اللحظةَ الديموقراطية وترسّخها كما حصل في أسبانيا السبعينات أو كما لم يحصل في رومانيا تشاوشيسكو. وفي مستوى آخر عندما تصبح الديموقراطية هي خيارُ عناصرَ من النظام السلطوي نفسه كما حصل في البرازيل وأسبانيا واليونان أيضا في السبعينات. وبول سالم يعتبر أن شيئا مشابها تكرّر في الحالة المصرية في ميدان التحرير في 25 يناير 2011. وهو بالمناسبة يقول في الصفحة 43 في الفصل الثاني كلمة بسيطة لكن عميقة هي أن "ميدان التحرير أصبح جزءاً من الهوية الوطنية المصرية".
أستاذُ العلوم السياسية زميلُنا المعلّق بول سالم يلاحظ أن دول الموجات الديموقراطية تتّجه غالبا إلى الأنظمة البرلمانية لا الرئاسية وهذا طبيعي بعد الحكم السلطوي، أما على مستوى النظام الانتخابي فتتجه، وبرأيه من الأفضل أن تتجه، إلى النظام المختلط النسبي والأكثري الذي افتتحه الألمان بعد الحرب العالمية الثانية.
بين أطرف وأهم مفاجآته التعبيرية المولودة من سياق رصين، وهذه هي خدعته، قوله أن "العراق ولبنان منحا الديموقراطية سمعةً سيئة"(ص45). وهو يلاحظ في هذا الفصل أن "الربيع العربي عبّر عن خمس ديناميكيات... الأولى إيجابية تتمثّل في تعبئة المواطنين من أجل إحداث التغيير. وهي ديناميكية أطلق عكسها العقيد معمر القذافي، أي ديناميكية سلبية، هي ديناميكية استخدام النظام السلطوي للقوة المجرّدة ضد الثورة. أما الديناميكية الثالثة، وهو يكتب ذلك في مقال في صحيفة "الحياة" في 17 آذار/ مارس 2011، فهي عودة سلطة النظام السابق ليس من خلال القمع بل من خلال ما يسميه "ثورة مضادة أكثر نعومة وخلسة". الديناميكية الرابعة هي وجود احتمال حقيقي لحدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية وطائفية خطيرة لأن إزاحة القمع تلغي الضوابط في المجتمع والديناميكية الخامسة هي احتمال التدخل الغربي وهذا برأيه من شأنه تغيير صورة الربيع العربي من ثورات شعبية إلى مواجهة مع الغرب (36-37). وقد حصل ذلك حرفيا في سوريا.
يطرح بول أسئلةً ومعضلاتٍ ثبتت خطورتُها من نوع: هل نحن أمام أسلمة أم دمقرطة؟ كما أنه لا يوفّر دول الخليج من تحذيراته بضرورة التكيّف الدستوري أي الحكم بدساتير أو أنها ستواجه مخاطر شديدة حتى في مقالات منشورة في صحيفة "الحياة" السعودية وليس فقط في صحف غربية. إلا أن أحد أحكامه القاسية والتي أوافقه عليها هي قوله "أن المشرق العربي مفلس سياسيا" قياسا بشمال إفريقيا وتحديدا مصر وتونس وحتى ليبيا التي يَعتبر بيئتَها هادئة قياساً بالمشرق(63).وهو يحذّر من "خطف الثورات" ثورات الربيع العربي على يد قوى من داخلها ويعطي مَثَليْن تاريخيين كبيرين على الخطف هما الثورة الروسية عام 1917 والثورة الأيرانية عام 1979 وهو يقصد طبعا ما فعلته الأقلية البلشفية في الأولى والخمينيّون في الثانية (53). يومها أي في مقالة كتبها في 4 آب 2011 يخاطب ضمنا "الإخوان المسلمين" كخاطفين محتَملين للثورة المصرية.
في أحد مقالاته عن تركيا عام 2009 يرى أن "مصر والسعودية وإيران ليست المستقبل لكن تركيا قد تكون" (87).
في الفصل المعنون: "النظام الدولي" يكتب عام 2008 متوقّعا، وعن صواب ثَبُت لاحقا، أن الدور الروسي في الأزمة الجيورجية هو بداية دور روسي جديد في الشرق الأوسط. وفي المقال نفسه (143- 146) يلاحظ ما يسمّيه "حساسية قوية للصين حيال الحركات الانفصالية" بما فيها الإسلامية ويسجل منذ ذلك الوقت أن الدور الروسي الجديد في القوقاز تَواكَبَ مع تحسين في العلاقات الروسية السورية ويقول أن "سوريا ردّت التحية بأحسن منها". مع ذلك تظهر في مقالاته إلى حدّ ما قلّة ثقةٍ بقدرة النظام السوري على مواجهة العاصفة الداخلية ضده بعد "الربيع العربي".
إحدى صياغاته الجادة والملفتة هي اعتباره عام 2008 في ورقة قدّمها في مركز كارنيغي وجودَ أربع دول مارقة في الشرق الأوسط ثلاثة منها من المنطقة هي إسرائيل وإيران وسوريا ورابعة هي الولايات المتحدة الأميركية! (73). أيضا من صياغاته هي أنه لا يسمّي من دُرِج في الصحافة الغربية على تسميتهم بـ"المحافظين" في إيران بل يسمّيهم أحيانا بـ"اليمين" الإيراني وأحيانا بـ"المتشدّدين"وهو في مقالين في "الغارديان" و"أسبرسو" تباعاً عامي 2007 و2008 يسجّل انتصار إيران في مواجهة حصلت في الأساس بين عدوّيها اللدودين بوش وبن لادن(67-71). كما يعتبر أن "الخطر الحقيقي على الأمن العالمي هو باكستان لا أفغانستان" (156) وهو يطرح سؤالا في عنوان أحد المقالات ذا دلالة: "هل تستطيع روسيا إنقاذ سوريا؟" ويجيب بامتحان رغبتها وقدرتها على قيادة مرحلة انتقالية دولية للحل شبيهة بالحل اليمني؟(160) أو عندما يعالج مدى قدرة "حزب الله" على الصمود أمام تقلّبات "الربيع العربي" في مقالة لمجلة "Project Syndicate" ويخلص إلى أن "حزب الله لا يزال قوياً داخل لبنان ولكن مساحة راحته تتضاءل" (220).
أختم بملاحظة وسؤال:
في مقالٍ عن حرب غزة يقول بول سالم بشكلٍ عابر في الصفحة 125 أن "أداء "حماس" في حرب غزة لم يكن جيدا..." ما هو معيار هذا التقييم للأداء؟ هل هو مصادر غربية أم انطباعات شخصية لأن الذي لم يُقَل حتى اليوم أنه إذا كانت الحرب في جنوب لبنان مع إسرائيل صعبةً جدا إلا أنها مستحيلة في غزة. فتضاريس جنوب لبنان جبلية ومتشعبة وأربعة أضعاف مساحة غزة التي هي مستوية ومكشوفة وشبه صحراوية بما يحوّلها إلى عرضة لفتكٍ سهل من الأسلحة الإسرائيلية ناهيك عن كون غزة عمليا يومها بلا أي منفذ في ظل انغلاق الحدود مع مصر بينما طرق تموين حزب الله مفتوحة على سوريا وجمهورُه لجأ بسهولة إلى العمق اللبناني وكل هذا غير متوفر لغزة. لذلك يجب التدقيق في اعتبار أداء حماس غير جيّد وأداء حزب الله أفضل في ظل هذه الشروط الصعبة جدا بل المستحيلة للحرب في غزة.
أما السؤال فهو التالي:
اهتممتَ بشكلٍ واضح في كتابك بمقارنة الموجات الديموقراطية التي شهدتها قارات أميركا اللاتينية وأوروبا مع موجة "الربيع العربي" . فلماذا في كل القارات الأخرى خارج منطقتنا تمّت عمليات الانتقال الديموقراطي بأشكال مختلفة ومتفاوتة لم تُمَسّ فيها سلامة وحدةِ وأمنِ الدولة والمجتمع بينما عندنا في المشرق العربي أدّت إل انفجار المجتمع والدولة وتتهدد خرائط العديد من هذه الدول نفسها؟
هل هذا هو الشكل الأعنف لـ"الإفلاس السياسي"؟

← Back to Selected Articles