بيع المستقبل لشراء الحاضر - غسان العياش (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
الطالب اللبناني الذي سيتخرّج من الجامعة سنة 2027 يفترض أن يكون عمره اليوم حوالي ثماني سنوات. ومن دون أن يرتكب أي خطأ، أعدّت له الدولة منذ الآن مفاجأة غير سارة عند تخرّجه وتحفزّه لدخول سوق العمل، فقد وقّعت سندات خزينة بقيمة مليار دولار أميركي تستحق سنة 2027، يفترض أن يتحمّل عبء تسديدها مع أبناء جيله وباقي مواطنيه اللبنانيين.
وهذا المبلغ، الذي يمثل حالياً 2% من سندات الخزينة بكل العملات، لا ناقة للبنانيي ذلك الوقت فيه ولا جَمَل، فهو التزامات مترتبة الآن وقبل الآن، ولكنها مؤجلة الدفع، لأن الخزينة لا طاقة لها على تسديدها.
طبعاً، المليار دولار المذكورة ليست العبء الوحيد الذي سيترتب على اللبنانيين وقتذاك، من دون أن يكونوا استفادوا من غاية الدين. بل إن الدين العام بكامله يُحمَل مع فوائده ويدوّر من سنة إلى سنة، ويُرمى من جيل إلى جيل، والله أعلم كم سيكون حجم الدين المؤجل والمتراكم سنة 2027. إلا أن المليار دولار هي من نوع السندات الطويلة الأجل الذي درجت وزارة المالية في السنوات الأخيرة على إصدارها، بحكم الضرورة، وتسويقها في أجواء احتفالية!
على سبيل المثال لا الحصر، أصدرت وزارة المالية سندات منذ حزيران 2012 بلغت قيمتها حوالي 8 مليار دولار، ومعدّل استحقاقها الوسطي تسع سنوات، بينها إصدار في نيسان الماضي لمدة 15 سنة.
النتيجة واحدة، سواء تمّ تأجيل التسديد سنة فسنة أو مرة كل عشرة سنوات. النتيجة هي أن ظلماً يمارس، منذ عقود، من كل جيل على الأجيال اللاحقة. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن الإمعان في إصدار سندات لآجال طويلة تصل إلى خمس عشرة سنة، يريح الخزينة من الضغوط، ويؤمّن نوعاً من الاستقرار للتوظيفات المصرفية ومعدلات الفوائد ويضع بين أيدي مصرف لبنان احتياطياً إضافياً، ومزيداً من الأدوات للتأثير في السوق النقدية.
وفي المقلب الآخر من الصورة، هذه السياسة هي إقرار من الدولة بعدم توقّع إصلاح أوضاعها المالية، والسياسية أيضاً، إلى ما شاء الله. وإلى حينه تعالج استحقاقات الديون بشراء الوقت، أي بالتأجيل. فحسب وضعية الدين العام الراهنة، ستواجه الخزينة في السنوات الثلاث المقبلة استحقاقات، بجميع العملات، تبلغ 24 مليار دولار، ما يمثل 43% من السندات المصدرة بالليرة والعملات الأجنبية. وفي السنوات اللاحقة، حتى سنة 2027، تفوق قيمة السندات المصدرة بالعملات الأجنبية سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، والسندات التي تستحق بين 2020 و2027 تصل قيمتها، حتى الآن، إلى 12 مليار دولار.
المشكلة هي أن النفقات الآنية، التي لا تنتج نمواً أو زيادة في الثروة الوطنية، تتحوّل بواسطة هذه السياسة إلى ديون طويلة الأمد. القواعد السليمة لا تقبل هذه الممارسة، بل تقضي بوجود تناسب بين طبيعة الإنفاق ومدة تسديده. فالإنفاق الجاري، وهو الطاغي على مالية الدولة اللبنانية، يجب أن يسدّد في أجل قصير، أما نفقات الاستثمار فيمكن توزيع أعبائها بين الأجيال، لأنها تستفيد كلها من منافعها. وقد باتت نفقات الاستثمار، في ظل حقبات الفراغ والانقسام الوطني والسياسي، شبه معدومة في لبنان.
من المفهوم أن الاستحقاقات المالية كبيرة، على نحو ما ذكرنا، وأن الدولة لا تملك الحد الأدنى من الموارد للوفاء بها، فلا لوم على وزارة المالية أو مصرف لبنان، مهندس الأدوات المالية وضامن تسويقها. في المقابل، ليس المطلوب «الانتحار المالي» أو إعلان إفلاس دولة، مشكلتها ليست في ملاءتها، بل في سوء إدارتها. وسوء الإدارة ليس مسؤولية أصحاب المسؤولية المباشرين، أي القيّمين على مؤسسات الدولة، بل على القوى التي تملك بيدها مفاتيح الاستقرار ومصير البلد.
استيعاب مشكلة الدين العام ليس بالأمر المستحيل، لأنها مثل العديد من المشكلات التي تنهك الاقتصاد اللبناني وتثقل كاهل المجتمع، فهي سهلة الاستيعاب إذا قرّر أصحاب القرار الاستمرار في الصراع السياسي إلى المدى الذي يشاؤون، وبالحدّة التي تناسبهم، شرط تحرير المؤسسات من التعطيل وفصل إدارة الاقتصاد عن إدارة الصراع السياسي.