أين نضع أشياءنا؟ - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تعتبر الحياة والدفاع عنها، البند رقم واحد في القضية البيئية. كما لا يفترض ان تفرّق الفلسفة البيئية بين البيئة والحياة... كون البيئة في جوهرها، هي دورة الحياة. هذا من ناحية تناول البيئة والحياة كعلم. أما الفلسفة البيئية، فهي لا تكتفي بطرح الموضوع من هذه الخلفية، بل تبحث أيضا عن الجوهر والمعنى. او على المعنى الجوهري في الحياة أيضا.
حول هذا الموضوع، لا توجد نظرية شارحة واحدة ولا نظريات تقييمية نهائية. هناك اجتهادات متعددة، كما هي الحال مع كل نشاط فكري وفلسفي نقدي وأصيل.
في ظل التعددية في التفسير، قد يلفتنا اعتبار أن المعنى الجوهري للحياة (حياتنا) يكمن في العثور على مكان نضع فيه كل أشيائنا.
اذا تجاوزنا محاولة تفسير ما هو المعنى وما هو الجوهري، وسلمنا بهذا المعنى من اجل التقدم في الجدل والفهم، تصبح مهمتنا الملحة في البحث عن المكان الذي يفترض ان نضع فيه كل اشيائنا. وهنا يجب ان نعرف تلك الدوافع للبحث وعن أي مكان نتحدث وما الذي نريد وضعه؟
المرأة تبحث عن رجل توليه ثقتها. الرجل يبحث عن مرأة يجد فيها ضالته. الرجل والمرأة يبحثون عن بيت يضعون فيه كل أشيائهم. الطفل يبحث عن صدر أمه. البخيل عن قصبة يدك فيها ماله. الغني عن ثروته وخزنته. الفقير عن أولاده كأشياء. الرسام عن لوحته. الموسيقي عن النغمات والالحان والمغني عن اغنياته. النحات عن حجره. الفيلسوف عن افكاره. المزارع عن ارض خصبة يزرع فيها بداره. المعّاز عن حرج كثيف يسرّح فيه ماعزه. اللحام عن حيوانات لاحمة يذبحها. النجار عن خشب صلب وسهل التصنيع. الحداد عن الحديد الخام. المنجّم عن خرافة. المصنّع عن موارد وعن طاقة. المهندس عن طالب ترخيص وبناء. المحامي عن موكّل. العامل عن عمل. والمخرج عن انتاج وممول. الممثل عن دور...الخ
كل كائن يبحث عن المكان الذي يضع فيه اغراضه وأشياءه كهدف اسمى في الحياة. الأشجار والنباتات تبحث هي ايضا عن اماكن تضع فيها جذورها. كما معظم الحشرات التي نعرفها تبحث عن اوكار تحميها. الطيور ايضا تبحث عن أعشاشها واماكن آمنة تبيض فيه بيضها وتربي صغارها... الخ
صحيح أن الكائنات لا يمكنها ان تكتفي بالاماكن وهي تحتاج ايضا لأشعة الشمس وللهواء... وتبحث عنها ايضا، بشكل او بآخر، الا ان المكان هو الاساس.
يرى بعض المفكرين الليبراليين والبراغماتيين أن مسألة محاولة فهم الحياة هي مسألة خاطئة. المهم بالنسبة لهم، ان نعرف كيف نعيشها ونستمتع فيها. المهم ان نعرف كيفية التعامل معها. ولكن في هذه الفلسفة الكثير من التورية والسطحية والفردية. فكيف يمكن التعامل مع الطبيعة اذا لم نعرف كيف تعمل وبماذا تفكر وكيف تتفاعل؟
لطالما تحدث القدماء، لاسيما الهنود الحمر والناس البدائيين (بمعنى أولئك الذين عاشوا قبل سيطرة الحضارة الغربية) عن ان جوهر الحياة هو في معرفة كيفية الانسجام مع الطبيعة. وقد بقيت كلمة «انسجام» كنوع من كلمة سر تلك الشعوب التي اوشكت على الانقراض في اكثر من مكان في العالم، بفعل قوة الحضارة المسيطرة التي نظرت الى الطبيعة كعدو يجب السيطرة عليه، كما نظرت إلى الذين يؤمنون بالعيش بانسجام مع الطبيعة بأقل قدر ممكن من التدخل في نظامها، بأنهم جبناء متخلفون وكسالى، لا يحبون التطوير والتحديث والتقدم، وهم كالحشرات، لا بأس بدوسهم! مع العلم أن هؤلاء لا يعتبرون عملية الفهم (الطبيعة) هدف اسمى، بقدر الاحترام. صحيح ان الانسجام، يقوم بداية على معرفة وإن بدائية بالطبيعة، ولكن أهميته تتحدد عندما يتأسس ايضا على احترام هذه التعددية في الطبيعة، ويحفظ ديمومة ودورة حياة وحقوق كل كائن.
عند هذا الحد من الفهم، يمكن القول إنه للاستمتاع بكل ما تقدمه الحياة، علينا اولا ان نتعلم كيفية الانسجام مع الطبيعة واحترامها... وما من داع لفهمها اكثر من ذلك، او بعد ذلك.
اما ان يكون الاستمتاع عند البعض هو في الاخضاع والقهر والغلبة والقتل والسيطرة... فهو امر مرضي، يفترض ان تتعاون الكائنات السوية والطبيعية على معالجته. ولعل في ذلك مشروع جديد لحضارة جديدة، تحيي قيم حب العيش بانسجام بدل قيم حب السيطرة، وتعيد إلى الطبيعة غناها وتنوعها... عندئذ يمكن ان نجد بسهولة اماكن كثيرة نضع فيها كل اشيائنا، من دون قلق او خوف، ومن دون حاجة لحب التملك.