تجارب السيطرة الفئوية - أحمد جابر (المدن)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ما حصل في صيدا أعطى للمعركة ضد أحمد الأسير عنواناً مموهاً، غير ذلك الذي كان يقصده صاحب الحركة "السلفية" الاحتجاجية، ضد حزب الله وممارساته. سبب استبدال العنوان أن الجيش اللبناني كان المستهدف، وهو الذي قام بالردّ ضد الهجوم الذي تعرض له، معززاً بتغطية سياسية شاملة، داخل صيدا، وعلى امتداد الوطن كله.
لكن كل معركة تحسب بنتائجها، وتقويمها يبدأ من إعادة إدراجها داخل مسار "حرب المذهبيات والفئويات"، التي ألقي البلد في أتونها. لا تخطئ العين إذ ترى أن الحدث الصيداوي هو حلقة من حلقات الصراع على الإمساك بمقدرات القرار الوطني، لفرض رؤية سياسية أحادية على تفاصيل وجهته العامة، والتدخل بحسم وحزم، لتسييلها ضمن قنوات محفورة بعمق، ومعدّة بإتقان.
في الراهن، قوتا الصراع الأساسيتان هما: المذهبية الشيعية والمذهبية السنية، وفي تحديد وضعية كل منهما، يمكن القول أن الأولى تحتل موقع الهجوم السياسي، فيما تكتفي الثانية بموقع الدفاع السياسي، في كتلتها الغالبة، مع تحول "الهوامش" منها إلى الهجوم الدفاعي المذهبي، رداً على ما تراه من انتهاك متمادٍ لحقوق المذهب على صعيد عام. طرفا الصراع المذهبي يغرفان من ولاء القاعدة الأهلية الخاصة بكل منهما، والقاعدتان باتتا متماهيتين في التصلب وفي الالتفاف على الذات. هذه الخلاصة لا تعفي من ملاحظة أن الأسبقية، في مجال هندسة القاعدة الأهلية وتنميطها، كانت للشيعية السياسية، لأن الهندسة كانت ضرورة من ضرورات تقبل الكلفة العالية في الصراع ضد العدو الإسرائيلي، وظلت ضرورة حاسمة بعد الانتقال إلى الداخل، لتثمير مكاسب انسحاب الاحتلال من الأرض المحتلة.
على سبيل المراجعة السياسية الاسترجاعية السريعة، لقد حظي حزب الله بمكانة لبنانية رفيعة، عندما كان الأمر أمر إدارة القتال المقاوم، من أجل التحرير. هذه المكانة غير المساءلة من أحد، على وجه الإجمال، جعلت حزب الله تشكيلاً "مجتمعياً"، فوق المجتمع، وسمحت له بأن يكون سياسة فوق السياسة، وقدمت له الذرائع والتبريرات الكفيلة بتأمين انصرافه إلى مهمته الأساسية: القتال بالنيابة عن مجموع اللبنانيين. ميزات الوضعية السياسية هذه، الممنوحة برضى غالب من كافة الأطياف الداخلية، قاربت صفة "الهيمنة المعنوية" الشاملة، التي يمكن وصفها بالهيمنة الناعمة، كون أدوات تنفيذها المادية، منصرفة إلى التعبير عن ضغط ماديتها، خارج القنوات السياسية الداخلية. لم يشعر اللبنانيون بوطأة هيمنة المقاومة ما دامت أكف أياديها مبسوطة وغير متكورة القبضات، ولم يحسوا بغضب سياسي ثقيل منها، لأنها كانت خيار تحرير، وقليلاً ما حشروها في زاوية فئوية، لأن عباءتها كانت فضفاضة، تتسع لمرور النسمات المحلية والعربية والإسلامية. لكن الأمر تغير بعد حدث التحرير في العام 2000، وتسارعت خطى تبدله حتى بلغت ما بلغته، مع الانخراط في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، والانتقال إلى تأمين الجبهات الخلفية، التي تقيم على تماس مع ميدان حرب "الجيران".
اليوم تصطدم سياسات الشيعية السياسية، بقيادة حزب الله أولاً، بعقبات ترجمة تفوقها السياسي الشامل، إلى تفوق موضعي، يصغر تباعاً ليطال الأحياء والزواريب الداخلية. هكذا مسلك يعني الصدام مع خصوصيات محلية، ارتضى أهلها الهيمنة العامة المموهة، لكنهم باتوا عاجزين عن احتمال تجلياتها الفاقعة في حياتهم اليومية.
يشبه مسعى الشيعية السياسية حالياً، مسعى المارونية السياسية في السابق، فهذه الأخيرة انتقلت، بعد الاحتلال الإسرائيلي لبيروت ومناطق واسعة من لبنان، إلى محاولة تعميم التفوق الواسع الذي قيض لها، وتحويله إلى "تفوقات" قروية وبلدية وأحيائية. نتيجة المسعى معروفة، وارتدادها الكارثي الأكبر، كان في حرب الجبل وما جرته من ويلات.
إذا كان ذلك الوضع مع المارونية السياسية الوارثة "لأدبيات" الكيان اللبناني، فإن الوضع الأصعب هو ذلك الذي تتصدى له الشيعية السياسية، الوافدة هي والإسلام السياسي عموماً، من "هوامش الكيان"، ذلك أن السياسات الجديدة، لقوى الصعود الأهلي البديلة، تلامس خطر هزّ أسس التوافق الميثاقي الداخلي، بحيث أن السؤال عن معنى لبنان البديل يصير مطروحاً، ومعه يطرح أيضاً قول: ليس هذا هو البلد الذي تعاقدنا على العيش فيه. ما يساعد سلباً على تداول هكذا هواجس، هو أن المعروض على اللبنانيين ولوج أوضاعهم الجديدة، من بوابة الذاكرة الفئوية الدامية، التي ترتد بالمخيلة الجمعية إلى قرون خلت، هذا إسلامياً، وتعيد "فرز الهويات" على أسس دينية مضت، هذا على صعيد لبناني عام.
لبنان مجدداً، كأنه على عتبة حرب المئة عام الخاصة به، وكأن قبائله عادت لتنعش أيام "داحس والغبراء". وسلاماً أيتها العروبة البالية... والإسلاموية الخرقاء.