Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

جينة سيرج أيوب.. لبنانية - هدى بركات (المدن)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

أخذ الرجل يرفع صوته عالياً، ثم راح يطلب من المارّة أن يكونوا شهوداً. قليلون تجمهروا ثمّ انفضّوا عنه. الجزّار الذي كان الرجل يصرخ أمام حانوته نصحه بالإنصراف قبل أن يطلب البوليس. توقّف الرجل عن الصراخ وراح يرفع يديه في الهواء في ما يشبه الإعتذار. الأرجح أنّه خاف من الجزّار ذي البنية القويّة الفارهة... الشبّان الذين كانوا يلصقون منشوراتهم على الحائط تابعوا عملهم دون أن يولوا الرجل الذي كان يستفزّهم أيّ اهتمام.

كانت الملصقات تدعوا إلى المشاركة الكثيفة في الجنازة الاحتجاجية، إثر مصرع الشاب كليمان إمريك على يد مجموعة من الـ"سكينهيد"، أو حليقي الرؤوس من اليمين المتطرّف، كانوا ضربوا الشاب العشريني حتى الموت... ثمّ قال أحد زعمائهم – سيرج أيوب!- للشرطة التي استدعته للتحقيق إن إمريك ذهب إلى الموت بقدميه لأنه رفع رايات اليسار المتطرّف بين من لا يقبلون ذلك من أحد.

الشبّان الذين كانوا يلصقون منشوراتهم في حي "مينيلمونتان" ينتمون، مثل إمريك، إلى حركة "أنتيفا" وهي اختصار لـ"أنتيفاشيست" أو المعادين للفاشيين. ولأنّ المسؤولين الأمنيين، كما الصحافة المؤيّدة للحزب الإشتراكي الحاكم، راحوا يساوون بين يمين متطرّف ويسار متطرّف ليشجبوا الفعل وردّ الفعل بهدف"تبريد" الأجواء، ردّ صحافيون جدّيون على جبن السلطة الرسميّة التي ساوت بين الطرفين. وهو نهج صارت تعتمده السلطة الفرنسيّة لتختبئ وراء إصبع وهميّ من لفحات صعود اليمين المتشدّد الذي لا تعرف كيف تكبحه.

فقد نشر بعض الصحف تحقيقات جادّة تُفيد بأن حركة "أنتيفا" هي اليوم غير ما كانت عليه في الثمانينات، وبشهادة من كانوا ينتمون إليها، وهم اليوم في كهولة أعمارهم. كان إسمها "رد واريورز" أو المحاربون الحمر، وكانوا منتظمين في عصابات للضرب والحرب. هؤلاء كانوا يقولون إن القوّة فقط هي الكفيلة بإيقاف الفاشيست عند حدّهم، وإن مكافحتهم ينبغي أن تكون بوسائلهم نفسها إذ أنّ أفكارهم لا تداويها الديموقراطيّة. أما الحركة اليوم فهي، على ما يقول شبّانها، تستفيد من فشل الأسلاف، وهي تتصدّى للأفكار وليس لمن يحملونها، وإن الديمقراطيّة وحدها هي العلاج. وهذا ما ثبت بالفعل بحسب ما نشرت التحقيقات المذكورة، ثمّ متابعة تجمّعات "انتيفا".

القتيل إمريك لم يكن إذن كقاتله، كقتلته من رفاق النجم الذي سطع في سمائنا مع وقوع الجريمة، أعني السيّد سيرج أيوب الذي أصبح إسمه متداولا بقوّة.

أما إن أردت أن تعرف من هو سيرج أيوب، وحاولت العثور على بيوغرافيا ما للرجل على الإنترنت، فستقع على كميّة هائلة من الصفحات التي تحوي معلومات هي من التناقض بحيث تنتهي بك إلى قبض ريح. فهو حيناً لبناني الأم، وأحياناً أخرى لبناني الوالدين. ثمّ هو تركي المولد، وفي تصحيح المعلومة أنه لبناني منذ كان لبنان عثمانياً... وفي شرح آخر أنه فرنسي مئة في المئة ومن عائلة "غيشار" اليهودية "المدسوسة" التي، لأسباب غير مفهومة لم تقترن باسمه. أما عن سيرة حياته فلا بد – لشيء من المصداقية- من العودة إلى سجلات الشرطة...

وفي الثابت القليل من تاريخ السيّد أيوب أن عمره يقارب الخمسين وأن لقبه هو "بات سكين" نظراً لبراعته في استعمال مضرب البايسبول في حربه ضد إفساد العرق الأبيض. بعد انتخاب الإشتراكي فرنسوا ميتران الذي كشف زيف وخبث اليسار جنّد أيوب نفسه لحبّ فرنسا فتزعّم كتائب"الشبيبة القومية العالمية"، وهي مجموعة من خيرة حليقي الرؤوس، هواة تأديب العرب والسود أينما كانوا ومن دون سبب، فهم أغراب ولو كانوا فرنسيين وعليهم العودة إلى بلاد أجدادهم. هذا إذن، بحسب أقوال أيوب الذي يشرح أن دواعيه بعيدة عن الفاشية وهي لا تتعدّى التعلّق بالوطن نظيفاً. في أبرز نشاطاته أيضاً تهريب المخدّرات، إنما لهدف سامٍ، وهو تمويل ما يؤمن به. بعد سجنه اختفى سيرج أيوب ثمّ تبين أنه كان في السلفادور ثم في روسيا، وهو إن عاد بمبلغ مهم من المال فليس لذلك علاقة لا بأنشطة مرتزقة أو مافيا، بل هي التجارة. اللائحة طويلة جداً.

لكن شيئاً يقول لي: في سيرج أيوب "عرق" لبناني... أم تراه ذلك الـ"جينوم"- فوكس ب2- الذي ورثناه عن مخلوق النييندرتال قبل أن نستقرّ في حقبة الأوموسابيينس؟ والله أعلم.
 

← Back to Selected Articles