هل دقت ساعة التغيير؟ - غسان العياش (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
خلال حملة الانتخابات الرئاسية في إيران ، وجّه المرشح محسن رضائي نقداً لاذعاً، وساخراً، للنظام السياسي والاقتصادي في بلاده. فقال في شريط تلفزيزني إن إيران هي إحدى أقوى بلدان المنطقة عسكرياً ويبلغ مدى صواريخها آلاف الأميال، ومع ذلك فإنها تشكو من نقص في الدجاج.
ومن اللافت للنظر أن يأتي هذا النقد من رضائي الذي كان رئيساً للحرس الثوري وأميناً عاماً لمجلس تشخيص مصلحة النظام. رفع محسن رضائي نفسه ورقة نقدية من فئة عشرة آلاف ريال، وقال للجمهور إن هذه الورقة باتت تساوي الآن ثلاثة آلاف ريال فقط.
ومع أن المرشح المذكور حاول أن يلصق الفشل الاقتصادي بالرئيس المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد، فإن التعبير عن الضيق الخانق من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وتحميل مسؤوليتها للنظام بأسره، برزا من خلال انتشار النقد السياسي والاقتصادي العلني بين المرشحين والناخبين، وتبنيه من مختلف طبقات المجتمع الإيراني، من دون خوف من قمع أو إرهاب.
لم يكن اختيار الشيخ حسن روحاني من أكثرية الناخبين رئيساً لإيران ظاهرة عابرة أو من قبيل الصدفة. فقد وصل الاقتصاد الإيراني إلى طريق مسدود، ولم يعد قادراً على الخروج من مأزقه إلا بتغييرات جوهرية، وقد جاهرت أكثرية الإيرانيين خلال المعركة الرئاسية بالحاجة إلى التغيير، واختارت، عن وعي، المرشح الذي وعد بنهج جديد سياسي واقتصادي.
يعاني الاقتصاد الإيراني من معوّقات مزمنة، رغم كون إيران من أغنى دول العالم من حيث مخزون النفط والغاز. فالقطاع العام يسيطر على النشاط الاقتصادي وعلى إدارته، وهو يتميّز بعدم الفعالية والتأخر. ويشوب الاقتصاد الإيراني ظواهر تشبه تلك التي ميّزت البلدان ذات التخطيط المركزي، كالرقابة على الأسعار وسياسات الدعم المرهقة والفساد والبيروقراطية وضعف مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد.
وأضيفت إلى الظواهر التقليدية عوامل ومؤثرات جديدة دفعت الاقتصاد الإيراني إلى حافة الهاوية، تمثلت بالعقوبات المتصاعدة التي فرضها الغرب على إيران. وقد بلغت العقوبات حدّها الأقصى في بداية العام الجاري مع فرض حظر على التعامل مع مصرف إيران المركزي، بما يسدّ الأبواب أمام تحصيل إيران لعائداتها النفطية. أدّى ذلك إلى تقلّص الصادرات النفطية وانخفاض عائدات النفط إلى النصف، إذ هبط انتاج النفط إلى 700 ألف برميل يومياً، من 2.2 مليون برميل سنة 2011، فبلغ بذلك أدنى مستوى له منذ قيام الثورة الإسلامية. النتائج المتسارعة، شهراً فشهراً، للعقوبات الجديدة تتمثل بتقلص جوهري في واردات الدولة، وارتفاع تاريخي لمعدّل التضخم وهبوط متوال لسعر صرف الريال الإيراني، بلغ حدّ الانهيارات النقدية بعض الأحيان.
وفقاً للمصادر الرسمية في إيران، بلغ معدّل التضخم في السنة المالية المنصرمة، التي انتهت في آذار الماضي، 30%، فيما تقدّر مراكز الدراسات الغربية أن التضخم الحقيقي يساوي ضعف هذه النسبة. و خسر الريال 80% من قيمته في سوق القطع، وحقق الاقتصاد الإيراني انكماشاً في معدّل النموّ إذ تراجع الناتج المحلي، لأوّل مرّة ، بمعدّل 2%. وسجّل عجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات، وبلغ معدّل البطالة 16% فيما يعيش 19% من أبناء هذا البلد، الغني بموارده، تحت خط الفقر.
عالجت حكومة أحمدي نجاد الأزمة بإلغاء الدعم على المحروقات والمواد الغذائية، وحاولت استبداله بمساعدات نقدية للإيرانيين. ولكن هذه الخطوات فشلت في تحقيق غايتها وزادت من التضخم الذي أضيف إلى التضخم المتراكم في السنوات السابقة. تجدر الإشارة إلى أن مؤشر الأسعار في إيران تضاعف ثلاث مرّات بين سنتي 2004 و2011.
بلد غني بموارده الطبيعية والبشرية يشكو من إدارة غير ناجحة للاقتصاد، وسياسات دعم غير ملائمة لشراء الاستقرار، وتمويل التقديمات بطبع النقد، وموجات من التضخم المفرط، وأعباء إضافية ثمناً لسياسة خارجية بالغة الطموح، ترمي إلى جعل إيران قوّة ذات شأن واعتبار في المديين الإقليمي والدولي. هذه هي ملامح النظام الاقتصادي في إيران، وقد أضيفت إليها عقوبات دولية قاسية نادراً ما فرضت على دولة أخرى من قبل.
المجتمع الإيراني الذي يئن تحت هذه الضغوط، القديمة والمستجدّة، اختار لرئاسة الجمهورية المرشح الأقرب إلى شعارات الإصلاح، والذي وعد بنهج جديد في السياسة والاقتصاد. وإذا كان انتخاب الشيخ حسن روحاني قد أثار ملاحظات تقليدية تتعلق بسيطرة المرشد الأعلى للثورة على القرارات الإستراتيجية، والدور المحدود لرئيس الجمهورية في رسم السياسات الأساسية، فإن تفاقم الضغوط الاقتصادية على نحو لا سابق له، مع تعزيز العقوبات الغربية، يسمح بالاعتقاد بأن الانتخابات الرئاسية، هذه المرّة، قد تكون مناسبة لسلوك طريق جديد، من دون أن تتخلى إيران عن خطابها عالي النبرة.