مثقفون وسياسيّون رعاع في المعارضة السورية - منذر خدّام (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تستخدم كلمة "رعاع" للدلالة على القاع الاجتماعي، لوصف أولئك الذين تحركهم غرائزهم وليس عقولهم، ويتميزون بميل واضح نحو الفوضى والعنف. في الحقل السياسي كثيراً ما تستخدم كلمة " رعاع " من قبل القوى الاجتماعية المسيطرة وأيديولوجيها لوصف القوى المجتمعية المهمشة، التي تقع عند الحدود السفلى للطبقة العاملة، والتي جرى تعيينها في الأدب الماركسي بمصطلح "البروليتاريا الرثة".
يبرز حضور ودور " الرعاع " بصورة خاصة في حالة الأزمات المجتمعية الحادة، وما ينجم عنها من انتفاضات واسعة، أو ثورات، وتكون في حالات كثيرة أدواتها غير الواعية. بهذا المعنى والاستخدام فإن كلمة "رعاع" تتجاوز حدود التعيين الطبقي الماركسي لتشمل فئات اجتماعية واسعة دفعت بها الصراعات الطبقية والاجتماعية، وإزاحة التكنولوجيا للعمل الحي من دوائر الإنتاج، بل الاستخدام، نحو القاع لتعيش فيه حالة من التهميش، تجعلها تتصرف بطريقة غرائزية محكومة بفكر يومي مبتذل.
في اللغة كلمة "رعاع" تعني "سفلة القوم"، أو أولئك الذين "لا عقل لهم ولا قلب". بهذا المعنى فإن كلمة "رعاع " لا تتعين من خلال من هم في القاع الاجتماعي طبقياً، بل من خلال من هم في مختلف المواضع المجتمعية. ويبدو لي، من خلال الحالة السورية، أن الرعاع هم الأكثر حضورا في الحقلين الثقافي والسياسي، وهم الأشد خطراً على الوطن والدولة والشعب والثورة.
فعندما ينتقل مثقف ماركسي عبر مختلف التنظيمات الماركسية المحلية ليصير طائفيا فجاً بامتياز يكون قد تطور نحو وضعية الرعاع. وعندما يتحول فيلسوف لطالما أتحفنا بتنظيراته الناقدة للفكر الديني، إلى مجرد داعية طائفي، يكون قد صار من الرعاع. هذه الحالة تشمل قائمة واسعة من المشتغلين في الحقل الثقافي في سوريا، إذ بدلا من أن يستخدموا أدواتهم الثقافية في إنتاج فهم صحيح لما يجري في سوريا، نجدهم قد تخلوا عن وظيفتهم ودورهم ومسؤوليتهم، وتحولوا مروّجين للعنف بصورة عامة، وخصوصاً العنف الطائفي منه، سواء من خلال كتاباتهم، ومواقفهم، أو من خلال علاقاتهم العامة.
فبدلا من أن تدفعهم مشاهد القتل والتنكيل بالسوريين، سواء من قبل قوات النظام وشبيحته، أو من قبل قوات المعارضة المسلحة، أو مشاهد تدمير البلد، وبنيته التحتية، والاقتصادية، ومنشآته العمرانية، إلى الدعوة لوقف العنف، والقبول بالحلول السياسية، نجدهم يدعون وبحماسة إلى استمرار الصراع حتى "آخر سوري" وآخر بيت. لقد صار العنف والترويج له عنوان الدور الجديد الذي يؤدونه، إنه عنوان تحولهم إلى رعاع بامتياز، خصوصا بعد أن صاروا في مأمن منه، مع عائلاتهم وأولادهم.
حالة الرعاع نجدها أكثر حضوراً عند السياسيين، والإعلاميين، وبعض المشتغلين في مجال حقوق الإنسان المعارضين، فعندما تخلى هؤلاء عن الدور والوظيفة المحددة لكل منهم بحسب طبيعة عمله الأساس، وصار مجرد ديماغوجي، وداعية حربي، ومروج للعنف، يكون قد تخلى عن عقله وقلبه، وتحول إلى وضعية الرعاع.
ومن المبكي في هذا المجال أن يقوم تبريرهم لانحيازهم إلى جانب العنف على أساس القول بأن الثورة لا تكون بدون عنف، ولو كان هذا العنف سوف يذهب بالبلد والناس إلى التدمير. إن الوضعية الصفرية، بل مادون الصفرية، التي روج لها أحد جهابذة المعارضة بالعلاقة مع اجتياح القوات الأميركية للعراق، تسود اليوم في أوساط كثير من السياسيين المعارضين السوريين للأسف. بالنسبة لهؤلاء فهم لا يشعرون بأي حرج، من أجل تحقيق هذه الوضعية، الاستعانة بكل من يستطيع تغذية العنف، بغض النظر عن أهدافه الخاصة المباشرة أو البعيدة، بل بغض النظر عن كل مطالب الشعب بالحرية والديموقراطية التي يزعمون أنهم من دعاتها والعاملين عليها.
تبدو حالة "الرعاع" التي تتخبط بها المعارضة السياسية والعسكرية السورية، أكثر بروزا من خلال الفوضى التي تتحكم بها وعدم قدرتها على التوحد، أو في الحد الأدنى التنسيق في ما بينها، رغم ما تدَّعيه من وحدة الهدف، وهو إسقاط النظام الاستبدادي، من أجل بناء نظام ديموقراطي بديل. من هذه الناحية تبدو المعارضة مبدعة في رعاعها، فهي ليس فقط تجيد الفرقة، بل تجيد أيضاً الانحطاط إلى مستوى تكويناتها الأهلية، وإعادة إبراز دورها في الحقل السياسي، وجعل حضورها حاسماً في الديموقراطية التي تدعو إليها.
إن تحول بعض المعارضة السياسية الغالب إلى دكاكين تتاجر بدماء السوريين، وتعتمد سياسة تخوين بعضها البعض الآخر، بل ورهن إرادتها السياسية لمن يدفع أكثر، أي العمل حسب الطلب، لهي من سمات الرعاع بامتياز. واليوم، مع الإعلان عن المبادرة الروسية-الأميركية المشتركة لعقد مؤتمر دولي يهيئ لحل سياسي تفاوضي ينهي الأزمة في سوريا، ويحقق للشعب السوري مطالبه في الحرية والديموقراطية، بدأت طبيعة الرعاع المتحكمة بكثير من المعارضين مستنفرة لافشال هذا المسعى، تحت دعاوى من قبيل "لا يمكن الجلوس مع الجلاد"، أو "لا يمكن القبول بذلك قبل تنحي الأسد وأركان حكمه أولاً"، وغير ذلك من المطالب التعجيزية.
تحضرني في هذه المناسبة نصائح السفير البولندي المستوحاة من تجربة بلده خلال عمليات التحول إلى النظام الديمقراطي، إذ قال ينبغي أن تدركوا أن النظام السابق ليس مجرد شخص هنا، وشخص هناك، إنه أجهزة الدولة بكاملها، ولكي نضمن عدم انهيار الدولة، عملنا على الاستفادة من السلطة القائمة للمساعدة في التحول إلى النظام الديموقراطي بأقل الخسائر، لذلك وافقنا على مشاركتها في المرحلة الانتقالية، ومنحناها الغالبية في مجلس الوزراء. الشيء الذي لم نساوم عليه هو إعداد دستور ديموقراطي حقيقي، وجميع القوانين المكملة له، وإجراء انتخابات نزيهة وشفافة ومراقبة دولياً، وهذا ما حصل.
عندنا لا يرضى كثير من مثقفينا وسياسيينا أقل من القضاء على النظام السابق، ولو انهارت الدولة، ولو تمزقت سوريا دويلات طائفية، ولو تحالفوا مع إسرائيل، ولو طلبوا المساعدة في ما يرغبون لكنهم عاجزون عن تحقيقه، إنهم حقاً رعاع.