ذكريات غنيّة من بوسطن الجريحة - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
عندما سمعتُ بالتفجير الإرهابي الذي أصاب ماراتون بوسطن الإثنين المنصرم ذهب تفكيري بعد السؤال عن حجم الضحايا وهلع الموجودين في الشارع إلى ألوف الطلاب الأجانب المقيمين فيها ومنهم العرب والمسلمون من حيث الساعات والأيام العصيبة التي سيمضونها إلى حين انكشاف المجرم.
من الصعب أن تشعر نفسك شابا حين تبلغ أو تتجاوز عمر الثلاثين في بوسطن. فبوسطن وإن كانت إحدى أعرق المدن الأميركية بل أعرقها لأن أول مستوطنة معروفة لمهاجرين إنكليز على الشاطئ الشرقي تقع قربها، وهي نفسها مدينة المباني القديمة ذات الطراز الأوروبي ولا يزال باستطاعة الزائر أن يتناول طعامه فيها في مطاعم تدّعي أنها موجودة منذ أكثر من مائة وخمسين عاماً... مع ذلك فهذه المدينة التي تتميّز بكثافة وجود الجامعات ( هارفرد، إم أي تي، بوسطن، نورث ايست وغيرها) ليست فقط من أهم مدن النخبة الأميركية وطبقتها الوسطى المزدهرة بل هي أيضا مدينة شابة جدا و كوزموبوليتية .
لهذا أنتَ في "ورطة" اجتماعية حين تأتي إلى بوسطن بعد سن الثلاثين! ليس فقط لأن عليك أن تركض جيدا على ضفاف "شارلز ريفرز" - وفي حالتي أن تقود الدراجة بشكل متمكّن- بل أيضا لأن نمط الحياة الثقافي الكثيف فيها وقُربَ المسافات داخلها وحولها يحتّمان أن تكون حركتُك اليومية غايةً في النشاط.
لذلك عندما سمعتُ بالتفجير الإرهابي الذي أصاب ماراتون بوسطن الإثنين المنصرم ذهب تفكيري بعد السؤال عن حجم الضحايا وهلع الموجودين في الشارع إلى ألوف الطلاب الأجانب ومنهم العرب والمسلمون من حيث الساعات والأيام العصيبة التي سيمضونها إلى حين انكشاف المجرم أو المجرمين الفاعلين. ففي جو كهذا وحتى لو كان سلوك السلطات الأمنية والسياسية الأميركية حذرا في عدم توجيه اتهامات متسرّعة لا بد أن ألوف الطلاب الأجانب وخصوصا العرب والمسلمين سيشعرون بذلك الحَرَج المدهش الذي يصيب أمثالهم في عاصمة أو مدينة غربية تتعرّض لإرهاب تفجيري سيتمنى العديدون منهم بل كلّهم وهم يتابعون التلفزيون في شققهم الصغيرة في بوسطن وامتدادها مدينة كامبردج على الضفة الأخرى من النهر أن لا يكون الفاعلُ من "الشرق الأوسط" كما يُقال في أميركا أي أن لا يكون عربيا أو مسلما.
صحيح أن الإرهاب كان يمكن أن يصيب أي مدينة في أميركا لكن أمّا وأنه وقع على بوسطن فكيف لمن يملك ذكرياته في هذه المدينة المميّزة أن لا يستشعر ارتباكها وقلقها وحِدادها الذي عمّ كل الولايات المتحدة. كأنما أصبح اعتداءً على هذه الذكريات أيضا. هكذا هي المدن الجريحة حين تكون لك تجربة غنية فيها.
الذكريات... من ستة أشهر قضيتها فيها عام 1988 وإن كنتُ عدتُ إليها في مناسبات مختلفة لكن سريعة الإقامة آخرها عام 2007.
في بوسطن تعرّضت لأول إهانة تصيبني كمدخّن. فقد دعاني زميل في صحيفة "الكريستيان سيانس مونيتور"، حيث كنتُ أُمضي دورة تدريب فيها، وزوجته إلى عشاء في منزلهما ودعيا بالمناسبة عددا من أصدقائهما "لأتعرّف ويتعرّفون عليّ" كما قال لي. خلال الجلسة وكان الجو ممطراً قليلا في أيار أو حزيران فتحتُ علبة الدخان التي سحبتها من جيب جاكيتتي وتناولتُ سيكارة وأشعلْتها بكل طبيعية كما كان يفعل كل الناس أيامها في بلادنا وأخذت بتدخينها. ما هي إلا ثوانٍ وإذا بسيدة البيت تصرخ بي: مستر زين إذهب إلى الخارج فورا وانْهِ سيكارتكَ هناك.
هكذا في لحظة تحوّلتُ من ضيف شرف إلى "مطرود". والسبب الأول الذي لم تُجاملني به السيدة لحظةً هو أن لديها طفلاً رضيعاً ينام في الغرفة الداخلية... لامساومة في هذا الأمر بالنسبة إليها.
خرجتُ طبعا وأكملتُ سيكارتي وعدتُ إلى السهرة التي أكملتها تهذيبا لأنني كنتُ أشعر بضيق شديد.
بقي كابوس هذه الإهانة يلاحقني بضع سنوات حتى تمكّنتُ عام 1998 من ترك التدخين نهائيا.
في بوسطن وكنتُ في قاعة التحرير أقوم بعمل كلّفني به رئيس التحرير جون فوويل إذا بمحرّرة تركض نحوي وتقول: أهنّئكَ بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل. إنه انتصار للثقافة العربية.
في بوسطن كان يُشار إلى أحد الكُتّاب في "الكريستيان سيانس مونيتور" خلال اجتماع التحرير المسائي كما لو أنه كائنٌ عجيب: هذا هو الشخص الوحيد الذي لا يزال يستعمل القلم والورقة للكتابة في كل فريق الجريدة. ويضيف محدّثك بهمس حول طاولة الاجتماعات: مع ذلك إنه شخص محترم كثيرا ومعروف بشجاعته وموضوعية كتابته. ويهمس أكثر: وهو أيضا الأكثر تفهّماً لكم أنتم العرب ضمن هيئة التحرير. وفي بوسطن تعلّمت أنه في الصحافة الأميركية ليس هناك مؤيّدون للعرب وإنما هناك فئة إيجابية حيال العرب هي "المتفهّمة" لهم وهذا هو الحد الأقصى. كانت يومها "الكريستيان سيانس مونيتور" جريدة النخبة الأميركية أو من جرائد هذه النخبة: مئتا ألف قارئ "وفي مقدمهم القارئ الأول رئيس الولايات المتحدة الأميركية" كما كانت الصحيفة، التي ألغت طبعتها الورقية في السنوات الأخيرة، تُقدّم نفسها آنذاك.
في بوسطن حضرتُ للمرة الأولى قُداسا راقصا في إحدى الكنائس القديمة. قداس ديني بروتستانتي لمجموعة من السود. رقص وموسيقى يشارك بهما كل المصلّين رجالا ونساءً وأطفالا (باستثنائي). كان ذلك في "شارعي" المفضّل في بوسطن: شارع نيوبري.
... وفي بوسطن حضرتُ أول عرض لفيلم سكورسيزي "إغواء المسيح الأخير" وكنتُ بين المشاهدين الذين خرجوا بعد العرض ليُفاجَأوا بوجود ثلاث راهبات يقطعن جزءاً من المدخل وتُوجِّه كلٌ منهن صليباً متوسط الحجم مباشرة نحو وجوه كلٍّ من الخارجين –وأنا منهم- قائلة "الله يباركك" باعتبار كلٍ منا كافرا لمجرد حضوره ذلك الفيلم الذي تعرّض لحملة رفض عنيفة في كل أوروبا وأميركا من أوساط كاثوليكية بلغت- هذه الحملة- حدّ إحراق صالة سينما في إحدى العواصم. و يومها في بوسطن تعلّمت أنه في بعض المسائل العقيدية المقدسة في الأديان لا فارق بين متعصّبي دينٍ وآخر.
... وفي بوسطن في "نيوبري" دخلتُ أول مكتبة – مقهى مع زملائي وزميلاتي من كولومبيا وأسبانيا وفرنسا واليابان والهند وأستاذتنا الأميركية في اللغة الانكليزية. وفي تلك الجلسة حدّثتنا طالبة الطب الكولومبية عن "مادلين" المدينة التي تقيم فيها وأنها "تُشبه بيروت في عصابات المخدّرات والقتل والثائرين السياسيين على الدولة".
حمى الله بوسطن وبغداد ونيويورك وبيروت ودمشق والقاهرة ولندن وكل المدن من الإرهاب الأعمى وغير الأعمى.