Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

المرأة الخاسرة الكبرى في تونس - أوكتافيا نصر (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ليست هذه تونس التي أعرف وأحب. هذا هو الانطباع الذي خرجت به عندما زرت منذ فترة قصيرة هذه الدولة في شمال أفريقيا، والتي وقعت في حبها طوال عقدَين من الزيارات المكثّفة، وذلك بعد لقاءات مع عدد كبير من النساء التونسيات الذكيات والقويات اللواتي طالما أُعجِبت بهن واحترمتهن. مؤشرات التطرّف في كل مكان من الشوارع الرئيسية إلى أزقّة العاصمة تونس التي استقبلت نحو مليونَي وافد جديد بعد الثورة.
تتحدّث الأنباء عن تدهور مكانة المرأة ودورها ومشاركتها السياسية والاجتماعية. ويكثر العنف ضد المرأة: من اغتصاب طفلة في الثالثة من عمرها في فناء منزلها، إلى اغتصاب امرأة حامل أمام زوجها، إنها قصص تفطر القلب وتسبّب الإحباط والاكتئاب لكل من يهتمّ بمستقبل هذه الدولة التي طالما قدّرت المرأة ومنحتها حقوقاً متساوية مع الرجل حتى في ظل الحكم الديكتاتوري الذي استمرّ عقوداً. التنديد الشعبي بهذه الجرائم أقوى من هدير الرعد في وجه صمت مصمّ للآذان يُطبق على الحكومة الحالية التي لا تصدر أية إدانة ولا تقدّم حلولاً أو جدولاً زمنياً لتصحيح الوضع المزري.
وما يزيد الطين بلة أن وزيرة شؤون النساء والأسرة والطفولة تستمرّ في تبرير موقف الحكومة الإسلامية بدل الدفاع عن الحقوق الأساسية للمرأة في الحصول على الحماية والمساواة. وقد صدف وجودي في تونس خلال تظاهرة صغيرة إنما عالية الصوت للمطالبة باستقالتها على خلفية زيادة الجرائم في حق النساء، والتي ارتكبها مدانون سابقون أُطلِقوا في إطار المناورات السياسية بين الإسلاميين والإصلاحيين. خلال التظاهرة السلمية، لم يكن هناك أي أثر للوزيرة أو معاونيها. بل كانت هناك تظاهرة مضادّة مدبّرة دعماً لها، استُخدِمَت فيها شعارات إسلامية واضحة، ورُفِعت لافتات وأُطلِقت هتافات تتهجّم شخصياً على المشاركين في التظاهرة الأولى. ولكن على رغم كل الجهود التي بذلها هؤلاء، والتنظيم والتصميم، لم يستطيعوا أن يحجبوا الهتافات المطالِبة باستقالة الوزيرة.
الترهيب الذي تمارسه الشرطة الإسلامية التي تعمل بصورة مستقلّة عن الشرطة المحلية، واضح للعيان في أنحاء المدينة، ويُثير القلق لدى كل التونسيين الذين تحدثت معهم. يبدو أن الأصولية تنتشر بوتيرة مقلقة من خلال الخطاب اليومي وكذلك اللباس الذي يرتديه عدد كبير من الوافدين الجدد والشارات والرموز التي يضعونها، والذين يختلطون بالسكّان المحليين إنما يبرزون مثل قذى للعين، ليس بسبب معتقداتهم الدينية المتطرّفة إنما بسبب سلوكهم المتعجرف واستفزازهم الصريح والمباشر للسكان المحليين والزوار على السواء.
قالت لي ناشطة شابة: "لا، ليست هذه بالتأكيد تونس التي حلمنا بها"، معبِّرةً بذلك عن آراء عدد كبير من التونسيين الذين ينتمون إلى مختلف مشارب الحياة وكانت لي فرصة التواصل معهم.
لقد فرض الرئيس المخلوع حكمه الديكتاتوري على تونس طوال عقود، لكنه منح النساء حقوقاً كثيرة كانت مجرد حلم بالنسبة إلى النساء العربيات. وقد نجحت حكومته في استخدام هذه النقطة في البروباغندا التي سعت من خلالها إلى توليد انطباع في الخارج أن تونس مجتمع عصري ومنفتح. أما اليوم، فيما يحاول الثوّار إبقاء شعلة الانتفاضة حيّة، تبذل الحكومة الإسلامية جهوداً فعلية لخنق الأصوات المعارضة وانتزاع حقوق النساء والحد من دورهن الإيجابي وحجبهن عن الأنظار. ومع هذا كلّه، يدّعون زوراً أن كل شيء على خير ما يرام في بلدهم.
الخبر السار هو أن الإسلاميين يفشلون في كل جوانب حكمهم، الامر الذي يدفع المجتمع المدني والناشطين المسالمين في تونس إلى بذل كل الجهود الممكنة للسير ببلادهم نحو فصل الدين عن الدولة. فهم يعرفون جيداً أنه إذا خسرت النساء هذه المعركة، سوف تخسر تونس الحرب ضد التطرّف، وسوف تفرض عليهم الحكومة الإسلامية نسخة حديثة عن العصور المظلمة في أحلك مراحلها!

 

← Back to Selected Articles