مصير المسيحيين سيحدّد مستقبل العرب - حسين أيبش (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
يشكّل الهجوم الذي شنّه بلطجية إسلاميون - بتواطؤ واضح مع الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة المصرية - أثناء تشييع جنازة في الكاتدرائية القبطية في القاهرة الأحد الماضي، محطة قاتمة في تاريخ المنطقة.
فالأمر لا يقتصر على مقتل شخصَين ونقل 90 آخرين إلى المستشفيات. لم يكن الحادث مجرّد انتهاك لحرمة مكان مرموق يُعتبَر مركزاً لطائفة وتقليد ديني عريقَين، على يد قطّاع الطرق ورجال الشرطة على السواء، بل إن فكرة مصر التعدّدية التي تقبل الآخر - القادرة على دمج الأقلية القبطية دمجاً كاملاً وتكريمها واحترامها - تعرّضت لعدوان جسدي ونفسي، والأهم سياسي، بأحجام غير مسبوقة.
وما ينطبق على مصر، ينطبق أيضاً على الشرق الأوسط. إذا كان الأقباط في مصر يتعرّضون لسوء المعاملة والازدراء والهجوم، فأي نوع من المجتمعات يظهر في العالم العربي؟ التداعيات على المنطقة مخيفة جداً.
لن يكون بالإمكان تحقيق التعدّدية إذا لم تُحترَم الجماعات المسيحية التي تعيش في المنطقة منذ وقت طويل وتحظى بالتقدير تقليدياً. دعونا من المشكّكين أو اللاأدريين أو الملحدين. ولندع جانباً الجماعات الدينية الأصغر مثل اليزيديين والعلويين والبهائيين والدروز. إذا وجدت الجماعات المسيحية الكبيرة والعريقة أنه ليس مرحّباً بها في العالم العربي، سوف ينقلب المسلمون سريعاً بعضهم على بعض.
ولن يقتصر الأمر على الانقسام السنّي-الشيعي الذي بات واضحاً في مختلف أنحاء المنطقة. سوف تنطلق سلسلة لا تنتهي فصولاً من السجالات العقيدية الحادّة بين التوجّهات والمذاهب السنّية المختلفة. وسوف تصبح الدول، في أفضل الأحوال، ساحات المعارك الجغرافية لهذه الخلافات، وفي أسوئها، أسلحة القمع الأساسية بين المجموعات المتحاربة التي تتألّف من متعصّبين دينيين رافضين للآخر.
ليس هذا المستقبل حتمياً. قد يكون "أبوكاليبتياً" بالفعل، لكن ما زال يمكن تفاديه. إلا أنه ليس بعيداً عن التصوّر، ومأساة يوم الأحد في القاهرة تذكيرٌ أليم بهذا الواقع.
في الأعوام المئة الأخيرة على الأقل، تتناقص أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط شيئاً فشيئاً. غادر عدد كبير منهم هرباً من الأمبراطورية العثمانية، والتمييز، والحرب، والتجنيد الإلزامي، وحتى المجاعة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتوجّهوا إلى العالم الجديد. كانت نعمة ونقمة على السواء أن هذه الجماعات وجدت تاريخياً، ولأسباب ثقافية ودينية، سهولة أكبر من المسلمين العرب في الهجرة إلى المجتمعات الغربية والاندماج فيها.
لكن هجرة المسيحيين تتسارع في العقود الأخيرة. غادر معظم المسيحيين العراقيين البلاد بعد الاجتياح الأميركي. وفي سوريا، المسيحيون هم من أكثر المجموعات هشاشة في البلاد بكاملها، فهم مشتّتون ولا يملكون دفاعات منظَّمة.
وقد تسبّب المسيحيون أنفسهم، جزئياً، ببعض المشكلات التي تصيبهم. ففي لبنان، بالغ المسيحيون - لا سيما الموارنة منهم - في إثبات وجودهم تارةً وتراجعوا طوراً، وفي الحالتَين كانت النتائج كارثية عليهم.
قديماً، شعروا برغبة شديدة في السعي إلى فرض هيمنة وطنية في بلد يقاوم بعناد أي قوّة مسيطرة. ثم انجرفت قياداتهم التقليدية خلف الثأر.
ومنذ بضع سنوات، انقسم المسيحيون اللبنانيون بالتساوي تقريباً بين فريقَي 8 و14 آذار. وهو في شكل أساسي انقسام بين المسيحيين الأكثر تخوّفاً من سوريا و"حزب الله" وإيران والمسيحيين المذعورين من السيطرة السنّية الإقليمية الذين اختاروا "تحالف أقليات" غريباً (...)
مما لا شك فيه أن المسيحيين اللبنانيين سيصمدون جسدياً، لكنهم يسيرون نحو غياهب النسيان على المستوى السياسي، ووحدهم يتحمّلون المسؤولية الأكبر في ما آلت إليه أوضاعهم. والمثال الأحدث عن هذه النزعة لتدمير الذات هو بدعة القانون الأرثوذكسي الذي رفع القادة المسيحيون لواءه، وينص على تصويت كل طائفة لمرشّحيها. لو اقترح أي طرف آخر مثل هذا القانون، لانتفض القادة المسيحيون من شدّة غضبهم وتوحّدوا في التنديد به واعتباره مؤامرة ضد المسيحيين (وسوف يكون كذلك فعلاً). إلا أنهم اختاروا أن يجلبوا هذه المصيبة لأنفسهم لأسباب مضلَّلة إلى أقصى الحدود.
من جهة أخرى، لا يستطيع الإسرائيليون اليهود والفلسطينيون المسلمون تبادل الاتّهامات والسخرية بشأن الأزمة التي يواجهها المسيحيون في "الأراضي المقدّسة". فإسرائيل تمارس التمييز بحق جميع الفلسطينيين على السواء. وهروب المسيحيين من الضفة الغربية هو في شكل أساسي رد فعل على الاحتلال الذي لا يُطاق، على الرغم من البروباغندا الإسرائيلية التي تسعى إلى توجيه الأنظار إلى المسلمين الفلسطينيين واتّهامهم بعدم التسامح. بيد أن هذا التعصّب موجود فعلاً في غزة الخاضعة لحكم "حماس"، حيث يكافح المسيحيون الفلسطينيون المحاصرون والقليلو العدد من أجل الحفاظ على هويتهم وحريتهم في ظل نظام ثيوقراطي أصولي يزداد تعسّفاً.
خلاصة القول، إذا لم يتمكّن العالم العربي، والشرق الأوسط الأكبر، من استيعاب المسيحيين والأقليات الأخرى، فلن يكون مكاناً مناسباً للعيش لأي من الجماعات الأخرى. وإذا نهضت المنطقة من مرحلة النزاعات الإثنية والمذهبية - ومن اللاإنسانية الشديدة حيث تُطرَد الأقليات من مناطق عاشت فيها طوال أجيال وشكّلت جزءاً لا يتجزأ من ثقافتها - ستنظر تلك المجتمعات ذات يوم إلى الوراء وسوف تدرك أن ما جرى كان كارثة غير مسبوقة.
لكن عندئذٍ يكون الأوان قد فات.