10 سنوات على سقوط متحف بغداد: كلّما سقط متحفٌ في بلادنا عَمُرَ متحفٌ في بلاد الغرب - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ماذا لو قرأنا ذات يوم في المستقبل أن حرب سوريا خُطّطت ونُفِّذت... فقط لسرقة آثارها. سيكون ذلك طبعا من أدب المخيلّة السياسية في ذلك النوع من الروايات أو كُتُبِ فانتازيا المؤامرات التي يختلط فيها البوليسي بالسياسي، مصالح الدول بصراع المافيات.
... لكن ليس من المخيّلة أبدا بل من الثوابت الراسخة إن لم تكن الواضحة أن نهبَ الآثار هو عنصرٌ أساسيٌّ ملازمٌ للحرب الدائرة في سوريا بعد الثورة كما كانت –ولا تزال- سرقة الآثار جزءاً ملازماً لحرب العراق عام 2003.
في المعلومات أن بيروت وأنطاكيا التركية وأربيل العراقية (عبر القامشلي) هي حاليا أسواقٌ مزدهرةٌ لتجارة الآثار المنهوبة من سوريا لاسيما آثار حلب كما مناطق أخرى في محافظات الجزيرة وإدلب ومنها معرّة النعمان وطبعا حماة وحمص وريف دمشق ودرعا مما لا يعلم غيرُ الآلهةِ ماذا يُسرق منها ويُباع إلى عصابات متخصّصة بترويج المسروقات في الغرب.
يُقال – مثلاً في ما يتعلق ببيروت- أن مكاتبَ أو محلات فُتِحتْ خصيصا لهذه الغاية تحت أسماء ويافطات مختلفة.
دعونا نستعرض ما يدمي القلب في هذا السياق:
المثير هو أنه من المعلن أو على الأقل شبه المعلن أن متاحف غربية مهمة تتحوّل كما حصل في السابقة العراقية إلى المقر النهائي الذي تستقر فيه آثارنا من مختلف العصور. في بعض الحالات يتذكّر القرّاء كيف لا تزال الحكومة العراقية تطالب حتى اليوم بمقتنيات أثرية قديمة من حكومات غربية هنا وهناك فتنجح في إعادة بعضها وتفشل في البعض الأكبر الآخر. هذا دون أن نعدّد سوابقَ بات عمرُها عدّةَ عقودٍ من ظهور آثار من العالم العربي قيّمةٍ جدا في الغرب منذ حملة نابوليون على مصر، هذه الحملة التي أترك للمؤرّخين أن يحدّدوا ما إذا كانت هي التي أطلقت أول موجة غزو آثاري في العصور الحديثة.
منذ الحرب العراقية تكرّس ما يمكن أن نسمّيه بدون تردّد "تقليداً" فظيعاً هو أن يترافق احتلال المدينة وهي هنا بغداد مع نهب المتحف الوطني. لم يعد صعباً إقناعُ الكثيرين بأن هذا التلازم ليس بريئاً بل هو مخطّط.
عندما دخلت القوات الفرنسية قبل شهرين ونصف الشهر إلى تومبوكتو في شمال مالي مطهّرةً إياها من ميليشيا الإسلاميين المتطرفين لفت نظري أن أوّلَ ما ركّز عليه الإعلام الغربي- وهو تركيز مستَحَقٌ- هو مشهد احتراق أو إحراق مركز المخطوطات الإسلامية القديمة التي لا تُقدّر فعلا بثمن في هذه المدينة ذات الماضي المزدهر كأبرز عاصمة مسلمة في الصحراء لأزمنة مديدة وسحيقة.
...بسبب سابقة المتحف العراقي المنظّمة أعترف أني لم أصدّق الرواية الإعلامية عن الإحراق أو على الأقل شكّكتُ بها. ومع أن هؤلاء المتطرفين لا يمكن تكذيب أي خبر عن وحشيّتهم وتعصّبهم وبالتالي من الممكن أن يكونوا وراء إحراق مركز المخطوطات فإن ظنّي ذهب إلى أمرين:
الأول ... هل قاموا هم بذلك؟ والثاني، وقد يكون واقعيا أكثر، ما هو مصير المخطوطات التي بقيت سليمة والتي لم يأتِ على سيرتِها الإعلامُ الموجّهُ يومها من القيادة العسكرية الفرنسية مثلما كان وضع القوات الأميركية خلال سقوط بغداد مع فارق متروك للأخذ بعين الاعتبار وهو أنه من الثابت أن نهب المتحف العراقي بدأ مع دخول القوات الأميركية إلى المدينة بينما احتراق مركز مخطوطات تومبوكتو تم على الأرجح قبل دخول القوات الفرنسية والشكوك تدور حول حجم ومصير مابقي سليماً منها وهل خرج من مالي!
حلب... حلب صاحبة أجمل وأكبر بازار مسقوف وحيّ، أي بتقسيمات مِهنهِ العريقة، في مدينة مسلمة (ربما مثل بازار اسطنبول) تنتقل فيها المعارك إلى قلب السوق وأحيائها الأخرى وتزدهر مع دمارها سوقُ النهب المنظّم.
سبق أن نُهِبتْ آثارٌ في المائة أو المائتي عام الأخيرتين في العالمين العربي والمسلم. بعد الحرب العالمية الأولى وبعد العالمية الثانية من عدّة دولٍ منها مصنّفة متقدمة. لكن كان ذلك الزمن في منطقتنا زمنَ بناءِ دول ومتاحف. فقد تلازم بناءُ الدولة الحديثة في بلادنا مع نشوءِ "المتحف الوطني" في كلٍّ منها. هكذا عرفنا متاحفَ كبرى كالمتحف المصري والمتحف العراقي ومتاحف متعدّدةً في بلاد الشام.
لقد استنفد الاستبدادُ الداخليُّ الحزبي والعسكري طاقة الدول والمجتمعات وها هو الغرب يقطف بيئةً منهَكَة فتنهار الدولُ والمجتمعاتُ والمتاحفُ في الوقت نفسه.
اليوم هو مرحلة سقوطِ الدولِ لا مرحلة بنائِها. ولهذا فإن سقوطَ المتحف قد يعني سقوط الدولة. نحن في لبنان انْشطَرنا طويلاً على "المتحف" نقطة العبور الشهيرة بين جزئي بيروت وانتُهِبت "متاحفُنا" الطبيعيّة من ملعب صور الروماني إلى طرابلس الصليبية.
كلما سقط متحفٌ في بلادنا عَمُرَ متحفٌ في بلاد الغرب.