Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

يتّسع للأهل لا للأهالي - سمير عطالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

تُعرَف قبيلة غريكا في جنوب افريقيا بـ"القبيلة المفقودة" مع انها كانت من أكبر قبائل البلاد. سميت كذلك لأنها منزلقة دوماً إلى تناحر القبائل الأخرى، أهلها يقلدون هذه القبيلة أو تلك، ويقاتلون إلى جانب هذه او تلك، ثم يخرجون دائماً فاقدين اطفالهم ورجالهم ومواشيهم وأرضهم.
أي شبه مع أي قبيلة لبنانية، مفقودة، او على وشك ان تَفقد ما سلم من حماقاتها حتى الآن، هو شَبهٌ غير مقصود. اواخر القرن التاسع عشر كثرت الحروب على الغريكاس. فتلا زعيمها الصلاة الآتية امام اتباعه:
"أيها الرب الهنا،
"على رغم الصلوات الكثيرة جداً التي رفعناها إليك، لا نزال نخسر حروبنا. غداً، سوف نخوض معركة، هي ايضاً عظيمة حقاً. نريد مساعدتك، ولذلك يجب أن أسرَّ اليك بشيء: هذه المعركة، غداً، سوف تكون شيئاً جدياً حقاً. لا مكان فيها للابناء. ولهذا يجب علي ان اطلب منك ألاَّ ترسل ابنك لمساعدتنا. تعال بنفسك".
تتلاحق أوجه ألشبه، بين اهل القبائل، وأجيالهم وحروبهم. ولا يعود من أمل بالمعجزات إلا عند الله الأب. كان غسان تويني سفيرا لبلده (دعوا شعبي يعيش) في نيويورك عندما تأمل من هناك، غير مصدِّق، كيف يتدحرج اللبنانيون نحو أقعر الهمجية وخنادق السقط والجريمة، فهاله ما يرى من أهوال، فازاح الديبلوماسية جانباً، وقام إلى طاولة الكتابة يضع مسرحية "عرس الجنون".
ما زالت الافراح في دياركم عامرة! لكن كل شيء آخر من عناصر البقاء قد ذوى: العقل والضمير والحياء. جميعنا عراة امام المرايا المحطمة. والخَرِفون لا يميزون العري من الحشمة، واذ يخرجون إلى التجمع، يعّيرون العاقلين بعقولهم، والمحتشمين باخلاقهم، ويرمون بالشتائم كل شاهد على ما شهد منهم.
ليس من "بطل" واحد في "عرس الجنون" بل هناك حالة جماعية مثل الهواء الأصفر. واذ يرتب الكاتب الحركة على المسرح، يشعر باليأس ويرمي العمل من الفصل الاول. لا يطيق ان يرى الخاتمة التي يتوقعها. قبل غسان تويني كان الأندلسي غارسيا لوركا قد وضع "عرس الدم"، محاولا ان يعبر عن خيبته من مجتمع مليء بالخداع والخيانة والثأر الوحشي، اي مجموع ما يقوم عليه السلوك الفاشي. الفاشية في لبنان، ليست النظام، بل مجموعة من اعدائه المتناقضين، الذين يكوِّنون خليطاً من رفاق دروب متعرجة وملتوية وقصيرة، ومتباطنة الوصوليات.
للمرة الاولى يبدو ان الخوف الآن صار على النظام. وهو نظام كثير الثقوب والنواقص، ولكن بعدما حدث في الربيع الأسود، يتأكد مرة أخرى انه كان افضل ما عرفته المنطقة من اشكال الحكم: حرية اقتصادية جعلت البلد موطناً دائماً لنصف مليون عامل سوري. وحرية سياسية كان من معالمها، الوسطي الجميل ريمون اده، ولا تزال تحتمل، او بالأحرى تحتضن، ذوي التجارب اليسارية الاخلاقية امثال نهلة الشهال وفواز طرابلسي وسليمان تقي الدين وغيرهم، ممن اخفق في محاولة تقويم العلل لكنه لم يساوم على ما نشأ عليه من رؤى ومشاعر.
رفاقهم ومجايلوهم في سوريا مروا جميعا بالسجون. وروى رياض الترك انه أدخل الزنزانة بلا غطاء ولا فراش، فقطع زملاؤه رقعة من اغطيتهم ليصنعوا له فراشا ولا غطاء. صحيح أن الذين يظهرون في وجه الصورة السورية المبقَّعة اليوم، هم الذين ينسفون الشيخ البوطي في المسجد بين محاوريه، ولكن هؤلاء طفيليو الثورات او خاطفوها أو مدمروها. إلاَّ أن الفكر الذي ناضل حقاً في سبيل الحرية كان منذ البداية عند رياض الترك وميشال كيلو وياسين الحاج صالح وجمال الاتاسي الذي جاء تحت مظلة اليسار، كالبعث او الاحزاب المدجَّنة التي اختارت السلطة وليس الناس، الى التنعم بخيرات السطوة ووأد كل ما نادت به وخدعت الناس عليه.
في ظل النظام اللبناني، بقيت البديهيات الحياتية ممكنة. دعك من بعض الذين ركبوا على ظهورها، وربضوا على صدورها. دعك من المزورين والزائفين وشبقيي الوصوليات، فالمظلة العامة لا مثيل لها في الشرق المكفَّن باساطيره والمقمط بنوازع الجهل. من مصر الى العراق الى سوريا، حيث تمور الان هذه الخضة الاجتماعية الكبرى، لم يكن هناك "نظام" يتسع لجميع الأهالي. كان هناك نظام يتسع فقط لجميع الأهل. وكل من بقي ليس سوى اهل السخرة والمقهورين وفاقدي كل امل بيوم الرجاء. احد الضباط العرب كان في خدمته 800 عسكري، ولم تكن لديه مشكلة في التحدث عن العاملين والكادحين. اما هنا، في ظل هذا النظام الذي تُزال آخر معالمه وظلاله الآن، فإن أصدق العلاقة مع الكادحين والضعفاء اقامها الذين يملكون: موسى الصدر ورياض الصلح وكمال جنبلاط. والذي اعلن خلال الحرب انه يجب الحفاظ على النظام، قبل الوطن، هو سليم الحص الذي يسكن في شقة فوق كاراج في عائشة بكار. ورث كمال جنبلاط الارزاق فباعها ليوزعها، والضابط المشار اليه سالفا اورث نفسه الجيش. وكان – بين رفاقه - الأقل وليس الأكثر حرثا في المُلك.
النظام، ليس بمعنى الرأسمالية، وانما بمعنى الافق الاجتماعي والسياسي والوطني. سواء في الوسط او في اليسار، كان النظام اللبناني حداثيا، فيما اختارت مصر وسوريا والعراق افكار القرن التاسع عشر، والعالم يطوي خلفه حربين عالميتين ورومانسيات ماركس واسحاره الادبية، ويتطلع الى زمن الفرص لا القنص.
الشعارات والمفاهيم والمشاعر الوطنية، ليست لغة خشبية. الخشب، هو العقل العاجز عن اقامة دولة هذه المثل، بسهولة وعدل وانسانيات. لماذا الحملة المركزة على الوسطية والاعتدال ومزبلة الطائف؟ لأن "النظام" الحالي لا يسمح بالسطو المطلق على المناصفات: بين اليمين واليسار. بين المسلمين والمسيحيين. بين الاكثريات والاقليات. بين الجميع والجميع. من صُنِع الله ابراهيم في مصر الى ميشال كيلو في سوريا مروراً بآلاف العراقيين، ادخل جميع اليساريين العرب السجون الموحشة والمتوحشة. هنا، ظلت الحرية تحمي الحدود الدنيا من الحرية. هنا ظلت الحرية الركن الاول، على رغم انها وقعت احيانا في ايدي تجار الرق، او دعاة الاستبداد، او شهود الزور وخونة الانسانيات.
عندما بدأت الثورة كانت سوريا لا تزال في المراحل الاولى من عالم المصارف. تخيل الدور الذي لعبه المصرفيون ورجال الاعمال السوريون في ازدهار لبنان، وتصور انه في ظل النظام السياسي كانت سوريا في العام 2010 لا تزال تنتظر وصول موظف مصرفي من بيروت لكي يسهِّل عليها دخول آلية العصر. وتخيل ان نصري المعلوف ولويس الحاج ورفاقهما كانوا يذهبون الى الجامعة السورية لدراسة القانون، وهناك الآن خمسة آلاف طالب سوري في لبنان غير مؤهلين لمتابعة الدراسة وفق برامجه، على رغم ما أصابها من تحدر.
يبدو ان الاوان قد فات علينا جميعا. تكدِّس الانظمة كومة من المخالفات والشطط والانحراف لكي تتربع فوقها فإذا بها تسقط تحتها، لكثرة ما تراكم. في مصر افضت الناصرية بعد 60 عاماً من سيِّد قطب الى وصول محمد مرسي، الذي اعطي الدكتوراه الفخرية في الفلسفة في باكستان، فرع طالبان، جوار قندهار. وفي العراق صارت دعوة فيصل الاول الى الوحدة العربية في يد حزب الدعوة. وفي سوريا تتقدم جبهة النصرة كما تقدَّم تيمورلنك. أما كان افضل لكم، لو ترك ميشال كيلو ورياض الترك وياسين الحاج صالح، يكتبون مقالاً في الصحف اللبنانية المغامرة بالنشر؟
ليس للنظام اللبناني حسنات. له فقط فوائد. وفوائده هي تماماً رداءات النظام العربي الذي ظل يحيا في القرون الوسطى تحت شعارات ومساحيق القرن التاسع عشر. ظل يشبِّه ويساوي الحرية والعدالة والكرامة البشرية باسرائيل، حتى أفاق فوجدها تشبه جبهة النصرة. ظل متمْسحاً الى ان صار من جمال عبد الناصر الى جمال مبارك. ظل يطارد ياسر عرفات ويحتضن ابو نضال. ظل يبحث عن الحكم المدني والدولة المدنية في الثكن. فماذا يحدث الآن؟ كل دبابات "ت72" لا تحسم معركة في الرقة وكل طائرات "الميغ" في حلب تغير فإذا الذي يتقدم بين الركام هو جبهة النصرة، رافعة جميع اعمدة العتم.
كان الحل ابسط من ذلك بكثير. بدل اقفال الحدود في وجه لبنان، الانتصار عليه بالمنافسة. وبدل حلّ الجزمة حل الرحابة والحرية. واقفلوا السجون، لأنها طريق مظلم لا يؤدي إلا الى ظلام احلك. فات الاوان الآن. النظام العربي لا يتهاوى وحده بل تتهاوى معه الأمة. قبائل مفقودة لم يعد ينفعها شيء. كم كان الحل بسيطاً في الماضي: قليل من التواضع والحرية ورشة مياه. الرش الكيماوي يبيد كل شيء.
 

← Back to Selected Articles