"الجيوبوليتيك" يبتسم للأكراد: تهنئةٌ وتعازٍ - جهد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
كيفما أمطرت في منطقتنا هذه الأيام... فهي تُزْهِر كردياً. الزمنُ السياسيُّ للأكراد هو حاليا بنظرهم، نخباً وجمهوراً، زمنُ "تصحيح" تسعين عاما من الظلم الذي لحق بهم منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى. هنا نظرة "كردية" على وضع المنطقة في "عيد النوروز" اليوم.
في السنوات العشر الأخيرة نشأت أول دولة كردية في العصور الحديثة باتت مستقلة فعلياً ضمن صيغة "إقليم فدرالي" في الدولة العراقية لم يبقَ من هذه الصيغة- لولا حصة الإقليم من النفط المركزي- سوى الروابط الشكلية المشوبة بعلاقات صِدامية يومية.
وفي سنتي الثورة السورية فرض أكرادُ سوريا في أقصى الشمال والشرق الشمالي "إدارة ذاتية" لمناطقهم الممتدة بشكلٍ متقطّع على الحدود مع تركيا على مسافة مئات الكيلومترات من عفرين إلى القامشلي. لقد وُلد مصطلح "كردستان الغربية" خلال الثورة السورية ويُقصد به هذه المناطق التي تختلف جذورُها عن مناطق شمال العراق من حيث أن جزءا مهماً من كثافتها الديموغرافية الكردية جاء بعد الحرب العالمية الأولى من تركيا لاسيما في ظل الصدامات التركية-الكردية في العقد الأول من تأسيس الجمهورية الكمالية.
وخلال الثورة ورغم سيطرة ميليشيا "حزب الاتحاد الديموقراطي" الكردي السوري غير المتّفق بل المتصادم مع "الجيش السوري الحر" وخصوصا مع الميليشيات ذات القيادة الإسلامية الأصولية على معظم هذه المناطق، فإن الهيئات القيادية للثورة التي تشكّلت في الخارج حرصت على تصدير (من صدارة) وجوهٍ كرديةٍ فاختير، في فترة، عبد الباسط سيدا رئيسا لِ "المجلس الوطني" والآن اختير غسان هيتو رئيسا لـ"الحكومة المؤقتة على المناطق المحرّرة". والمعروف أن خلافاتٍ عديدةً على هوية سوريا وصيغة نظامها وقعت بين الجهات العربية والكردية داخل مؤسسات المعارضة.
لكن التطور "الأسعد" والذي يمكن أن يتحوّل إلى أبرز حدث كردي في المنطقة هو التحول الجاري بين قائد "حزب العمال الكردي" في تركيا (PKK) السجين عبدالله أوجلان وبين "حزب العدالة والتنمية"(AKP) الحاكم في تركيا بقيادة رجب طيّب أردوغان. إذْ أن المعلومات المتداولة في الصحافة التركية تؤكّد أن اتفاقاً حصل بين "أمرلي" (اسم الجزيرة التي يقع فيها سجن أوجلان) وبين أنقرة بعد مفاوضات بدأها مع جهاز المخابرات نوابٌ من الكتلة الكردية في البرلمان التركي على سلسلة خطوات غير مسبوقة لترسيخ السلام بين الفريقين ولاسيما في جنوب شرق تركيا. تركيا برمّتها تنتظر الإعلان عن رسالة يوجّهها أوجلان إلى مقاتلي حزبه، "حزب العمال الثوري"، للانسحاب إلى خارج تركيا (جبال قنديل في شمال العراق) بمناسبة عيد "النوروز" الكردي اليوم الخميس مقابل موافقة حكومة أنقرة على عدد من الخطوات التي تعزّز المكاسب الديموقراطية لأكراد تركيا سياسيا وثقافيا. وبالنسبة للأتراك يتخلّى "حزب العمال" عن أي مشروع انفصالي.
لا شك أن هذه الخطوة الجريئة التي أقدم عليها رجب طيّب أردوغان ما كان لها أن تحصل- أو تتسرّع- لولا الوضع المستجد في سوريا منذ عامين. صحيح أن هناك سجلاً طويلا للضغط الكردي السياسي والعسكري داخل تركيا وصحيح أن طموحاتِ أردوغانَ لتعديل الدستور نحو نظامٍ رئاسيٍّ يصبح هو رئيسَه أساسيةٌ، ولكن الوضع الذي نشأ على الحدود التركية السورية بعد 17 آذار 2011 هو الذي دفع رجب طيّب أردوغان إلى الذهاب أبعد وأجرأ في المفاوضات مع أوجلان بعد طول تردّد. حتى أن أردوغان بلغ به الأمر قبل عامين أن تبنّى عملياً خطابا متشدّدا ضد التمرد الكردي المسلّح لا يختلف عن موقف القوميين الأتراك المتشدّدين ضد أي نوع من أنواع الاعتراف بشخصية سياسية خاصة لأكراد تركيا.
لقد كشفت الأزمة السورية و "اكتشف" معها الزعيم التركي أن الحدود التركية مع سوريا من ريف حلب إلى القامشلي (500 كلم أكثر أو أقل قليلاً)هي بجزءٍ كبير منها حدودٌ كردية! وجعلته التجربة العملية في هاتين السنتين بينما المخابرات العسكرية التركية تقوم بعد قرار سياسي حاسم منه بعملية فتح منظمّة للحدود مع سوريا ومساعدة المعارضة السورية في السيطرة عليها بل في "تسليمها" للمعارضة على الجهة السورية...جعلته يكتشف، أي أردوغان، أنه فيما يدعم الثورة على النظام في سوريا حصل أكرادُ تركيا و"حزب العمال" تحديدا على مصدر دعم بل على عمقٍ ديموغرافيٍّ وسياسيٍّ وعسكريٍّ لم يكن في الحسبان بهذا الشكل. وهذا عنى أنه فيما تركيا تدخل في عملية دولية إقليمية واسعة لوراثة النفوذ الإيراني في دمشق، لم تصطدم بالمفاجأة الروسية الاستراتيجية بدعم النظام السوري فحسب، بل فوجئت أيضاً على حدودها باحتمال تطور سلبي جدا ضدها في المسألة الكردية يجعل من "غرب كردستان" حزاما أمنيا لمقاتلي "حزب العمال" بينما هي تسعى لتكريس حزام أمني في الشمال ضد نظام بشار الأسد. وظهر أثَرُ ذلك في تصاعدٍ خطرٍ في العمليلت المسلحة الكردية داخل تركيا ولو أن انطلاق المقاتلين "الشكلي" بقي مُركّزا في شمال العراق.
فَهِمَ أردوغان بالتجربة أن منع تحويل سياسته في سوريا إلى عبء استراتيجي على تركيا في قضيّتها الداخلية الأخطر، وهي المسألة الكردية، يتطلّب القيام بمبادرة غير مسبوقة في الحوار مع السجين أوجلان.
لا زالت تركيا تنتظر اختبار هذه التجربة الحوارية الجديدة بل هذه التجربة "الديغولية" الجديدة بين الحكومة القوية والأكراد قياسا على قرار شارل ديغول الشجاع بالتفاوض مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية بعد 1958 وهو القرار الذي أدخل الوضع السياسي الفرنسي في مخاض داخليٍّ صعب أدى إلى محاولات انقلابية من الضباط الكولونياليين الفرنسيين المتطرّفين كانت مدعومةً من جزء من المجتمع الفرنسي لم يكن يستطيع قبول فكرة استقلال الجزائر.
الفارق الجوهري في الحالة التركية أن مشروع المصالحة يستبعد تماما أي صيغة انفصالية وإن كان ليس واضحا حتى الآن ما هي الاتفاقات المتعلقة بطبيعة صيغة إدارة المناطق الكردية ضمن الدولة التركية؟
الاتفاق في بداياته وكانت أولى ضحاياه بصورة أو بأخرى السيدات القياديات الكرديات في باريس قبل مدة قليلة ولازالت القوى القومية التركية سواء الممثّلة في البرلمان أو في الجيش(المكسور سياسيا) تراقب ولا نعرف بعد لا عمق الاتفاق ولا بالتالي ردود الفعل النهائية عليه سوى بعضٍ منها يتراوح بين الحذر (حزب الشعب الجمهوري CHP) والرفض في أوساط القوميين المتشدّدين (حزب الحركة القومية MHP).
المخاض التركي في أوّله. لكن كل ما يحصل حاليا يبدو وكأن رياحه تلائم المزاج الكردي وصورته عن مصالحه الوطنية هنا أوهنالك.
هذا يجعل النخب الكردية في المرحلة الراهنة في قلب السجال التالي:
من جهة يستطيع ناقدو الحالة الكردية أن يقولوا أن النهوض الكردي لم يحصل ولا يحصل إلا على حساب "تَفكّكِ" الدول وخصوصا العراق وسوريا. وبالتالي منذ البداية أي منذ العام 1920 فإن الحركات الوطنية الكردية ترافقها لعنة تفكيك دول المنطقة.
لكن من جهة مقابلة بإمكان الأكراد أن يقولوا أنه ليست صدفةً أن يبدأ نهوضُهم السياسي والاقتصادي في زمن الصعود الديموقراطي العربي وبالتالي فإن أنظمة الاستبداد هي التي كانت تدير على الجهة العربية مسار التعامل القمعي معهم.
كلا الرأيين صحيح!! مع التهنئة للأكراد والإيرانيين بعيد "النوروز" اليوم. والتعازي - في عيد الأم- للأمّهات الثكالى ضحايا تأجّج الوطنيات والديموقراطيّات العربية والكردية والتركية والإيرانية.
"استكْردت" المنطقةُ طويلاً الأكراد. الآن هم الذين يستكْردونها.