قوة المسيحيين ليست بعددهم بل بدورهم وبوحدة موقفهم من لبنان السيد والحيادي - اميل خوري (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
يخطئ الزعماء المسيحيون وتحديداً الموارنة اذا دخلوا في منافسة مع الشريك المسلم على العدد وظنوا انهم يكونون هم الرابحين. فقوة المسيحيين لم تكن يوماً في عددهم بل في دورهم فكانوا روّاد علم وثقافة رجال مال وأعمال واقتصاد، ولن يكون لهم دور إذا أصبحوا كمية مهملة لا نوعية فاعلة ومؤثرة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يريد المسيحيون؟ هل يريدون مزيداً من عدد النواب والمناصب والوظائف، أم يريدون من يؤمن معهم بلبنان سيداً حراً مستقلاً وكياناً ثابتاً واستقراراً دائماً يأتي بالعيش الكريم والازدهار ويلتزم الحياد المطلق عن شرق وغرب أيا يكن عدد نوابهم وعدد المناصب والوظائف التي يحتلونها؟ هل يريدون تمثيلاً صحيحاً في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء وفي المناصب العليا
والوظائف ويكون تمثيلاً مذهبياً أم تمثيلاً سياسياً ووطنياً كي يصحّ بذلك القول إن النائب يمثل الأمة جمعاء؟ هل يريدون شراكة تبنى على المحبة كما دعا الى ذلك الكاردينال الراعي، أم يريدون شراكة مشاكسة ورياء، فلا يبقى لبنان واحداً موحداً بل مشرذماً ومقسماً وأرضاً تكره البشر؟
هل يريدون لبنان بلون واحد، أم يريدونه متعدد اللون ورسالة يؤمن بها الجميع؟ هل يريدون استعمال عقلهم أم سواعدهم وأن يحكموا بحكمة أم بتهور؟ هل يريدون استخدام ذكائهم أم غباوتهم؟ هل يريدون ارتكاب الظلم أم تحمّله؟
هل يريدون مناصفة تعطيهم نصف لبنان أم يريدون لبنانيين تكون المواطنية في قلوبهم ويؤمنون بوطنهم إيماناً راسخاً ولا ولاء لهم إلا له، يدافعون عن سيادته واستقلاله وقراره الحر دفاع المستميت، ويحمون كيانه وحياده عن شرق وغرب ويرفضون جعل أرضه ساحة مفتوحة لصراعات المحاور؟ هل يريدون أن يعيش لبنان وضعاً شاذاً بلا دستور ولا نظام ولا دولة، وأن يتحول كل مذهب الى حزب ودويلة ويفتح أبوابه للأزمات، أم يريدون لبنان واحداً موحداً أرضاً وشعباً ومؤسسات ونظاماً تعددياً توافقياً يشكل شبكة أمان لجميع أبنائه، أم يريدون ان تقيم كل طائفة وطناً لها ولا يعود عندئذ وطن بل أزمات طوائف مستمرة؟ هل يريدون تحالف أقليات يغرق في لجة تحالف الاكثريات وتذوب فيها؟ هل يريدون التحالف مع المتطرفين، أم مع الاعتدال كخيار حياة لهم؟
يقول رجل الحوار والاعتدال سمير فرنجية في حديث له عن أهمية لبنان انه "بلد استقلاله وسيادته مرتبطان بوحدته الداخلية، وتنوعه رهن بالتواصل لأن التنوع من دون تواصل لا يكون مصدر غنى بل مدخل الى الصراع الاهلي، والاعتدال فيه لا يكون خياراً سياسياً بل خيار حياة، والتعصب خياره النهائي التوجه الى سفارة أجنبية وطلب الهجرة...
ألم ندرك استحالة قيام الدولة السيدة مع وجود جيشين على أرضها يخضع أحدهما لإمرتها ويخضع الآخر لإمرة حزب سياسي أو دولة أجنبية؟" وتساءل ايضاً: "ما الذي حصل لكي نشهد هذا السقوط المريع في صفوف المسيحيين فتحولنا من جماعة لعبت الدور الاساسي في قيام الكيان اللبناني وبناء الدولة إلى جماعة تحشر
نفسها داخل فكرة اقلوية ويدفعها هاجس الخوف الى البحث عن حماية لها من خارج الدولة وكيف تحولنا من جماعة لعبت الدور الرئيسي في اعادة توحيد اللبنانيين من اجل استعادة استقلال لبنان وسيادته وحريته الى جماعة تبحث عن دور لها في استغلال الصراع المذهبي السني – الشيعي، والى جماعة تبحث في ماضي الحرب والى زعامات تعمل على نكء الجراح بحثا عن مقابر جماعية لمسيحيين قتلهم مسيحيون آخرون لاستنفار العصبيات وتوظيفها في الصراع على الزعامة، والى جماعة لا همّ لها سوى تأمين "حقوق" لها في الدولة من دون الاهتمام بتأمين حياة آمنة وكريمة لجميع اللبنانيين، وكيف تحولنا من جماعة تميزت في تاريخها الطويل بالانفتاح على العالم والتواصل معه عبر انتشار في كل انحائه، الى اقلية منغلقة على نفسها، وكيف تحولنا من جماعة لعبت دوراً أساسياً في نهضة العالم العربي الى جماعة غير معنية بالتطور الحاصل في المنطقة".
الواقع ان الوزن المسيحي لا يكون بالعدد ولا بالمناصفة بل بالدور الريادي وبحجم هذا الدور، وأن يكون المسيحيون معنيين بالمواقف من لبنان أكثر من المواقع بعدما فقدوا قوة العدد ووحدة الصف وبعدما فقد لبنان رجال ثقة ورجال دولة.