Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

"المشترك وضعا والمفترق صعقا" - سمير عطالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

كان ياقوت الحموي عبداً لأحد التجار، فما أن اعتقه صاحبه حتى انصرف الى المكتبات والكتابة. وأشهر ما ترك لنا "معجم البلدان"، في شرح أقطارنا وأصقاعنا. خطر لي ذلك المجلد وأنا أحاول أن أصنِّف بلدنا اليوم. فكل نزاع إضافي نُطلق عليه صفة "القانون" كما تسمى تعريفات الأحوال ووضع النظم في الدول والأمم. كمثل الحديث عن "القانون الأرثوذكسي"، أو "قانون الزواج المدني"، في آخر ما فتح من حلبات المكارهة والمحاقدة ودقّ التباعد.
وهو بلد الغرق في كشتبان. ففيما المصير ما بين عرسال والقصير، اشتعلت حرب الزواج المدني، وكأن كل مسألة أخرى قد حلّت ولم يبق عالقاً سوى هذا الأمر مفرِّقاً بين لبنانيي الوحدة والإلفة والترفّع! ومسكين لبنان. فعندما قال الرئيس الياس الهراوي إن اللبنانيين لم يبلغوا سن الرشد، شعرنا بالإهانة. أثبتت الأيام أننا لم نبلغ مرحلة الفطام.
الطريقة التي طرح فيها مشروعا "الأرثوذكسي" و"الزواج المدني"، أظهرت مدى الافتقار الى أي حسّ مدني. فلا يمكن مناقشة القضايا المدنية بلُغة الغابات. والمطروح، في أي حال، موضوعان لا علاقة لهما بحقيقة الشعب والبلد والمنطقة، إلا من حيث أن "الأرثوذكسي" يعرِّف لبنان الحالي بما هو حقاً، وليس كما تناهى إلينا من الماضي. أي أنه ليس وطناً ولا دولة ولا هوية وإنما هو مجموعة قبائل لم تعد لها أي علاقة بالدول، حتى بالتسمية. أو بالتعمية.
إنها عودة إلى عصر الأسباط. تحرك البلد وأزبد قوّاده لمجرد أن شاباً وشابة قررا الزواج المدني. اعتقدنا في البداية أن المسألة طُرفة في زمن غاضب ورقيع. أو هي سلوى. أو خبر اجتماعي. لكن الهول قد وقع. المؤيدون اعتبروا أن في ذلك نهاية المأساة، والمعارضون رأوا أنها نهاية العالم. وخرج مفتي الجمهورية يُعلن أن من يتزوج مدنياً، لا يُغسل ولا يُصلّى عليه.
كنا نعتقد، نحن الجَهَلة، أن الإسلام رحمة وتوبة وغفران. كما كنا نعتقد أن أركان الزواج واضحة، وهي القبول والإيجاب وحضور الشهود أو وليّ الأمر. ولو من دون آذن شرعي، فلماذا هذا الحد من الحرم؟ سُهِّلت أور الزواج في الإسلام من أجل تيسير حياة الناس وإقامة مجتمعات صحيحة، وحماية الأرامل وخفض العنوسة وتصويب الضوابط.
طبعاً المفتي يعرف أكثر منا. ولكن ليس أكثر من الأزهر. وماذا مثلاً عن ملايين المسلمين الذين يعيشون في دول لا تعترف إلا بالزواج المدني، مثل فرنسا، أو في دولة رئيسها يعاشر ويلد خارج أي رابط قانوني، مدني أو ديني أيضاً مثل فرنسا؟ هل كان من الضروري تذكير نوع من المؤمنين بأنهم لا يُغسلون؟ فإذا أرادوا التطهّر من أحمال الجسد وأسماله، فما أمامهم سوى الحرق الهندوسي وجرة الرماد.
تحرص المراجع الدينية في لبنان، على أن تكون لها الحصة الكبرى في أمور الدنيا أيضاً. أبرز ما أحيط بـ"الأرثوذكسي"، أنه فور الانتصار في البرلمان، اتصل بطرك السياسة المارونية (كما أعلن نفسه) الجنرال عون، بالبطرك الراعي في بكركي مهنئاً. وفي ذلك النهار كان بطرك الروم يخطب، متبرئاً من الانتماءات الصغيرة، ومن التسميات المزعومة، من غير أن يُسمي، فالبطريركية لها سدّة لا تنزل عنها إلا لغسل أقدام التلامذة. وما عدا ذلك باطل، كل شيء باطل، كما تكرر عظات الأحد.
تطور العالم من القبيلة الى الوطن. ومن العشيرة الى المجتمع. ومن الفرد الى الجماعة. عندما تقول "نحن، اللبنانيين"، تعني الموتى والأحياء والذين سيولدون. وعندما تقول البرلمان تعني عموم الناس. وعندما تقول الشركة تعني المساواة. وعندما تقول الأقليات تعني حقوقها لا نفيها. وعندما تقول الدستور، تعني أنه الرباط بين المتآلفين والحَكَمْ بين المختلفين.
هناك ديكتاتورية الأفراد الذين يؤمّمون ذاكرة الشعوب، وهناك أيضاً ديكتاتورية الجماعات، التي تلغي ذاكرة الأفراد، وتنقلهم كل مرة من نهاية أخرى الى بداية جديدة. وهي على حق بالأمس وعلى حق اليوم وعلى حق غداً، إذ تنقلب على الأمس واليوم معاً. البقاء للأكذب وليس للأقوى في الحالات الديكتاتورية. كل شيء يتحول تمويهاً وأكاذيب وإلغاءات. أول شيء يفعله الديكتاتور هو إلغاء تاريخه الفردي وتاريخ سواه. ومن ثم يصنع تاريخاً مزوراً لنفسه ويُبقي كل مَن عداه بلا تاريخ. يُبيد العائلات ثم يؤسس عائلته. العائلات الأخرى إقطاع وعائلته ثورة. ما سبقه تاريخ بائد وما يفعله مجد لا يزول.
والذريعة جاهزة دائماً. معظم الذين تذرّعوا بالاشتراكية، التي وضعها مفكرو الإنسانية والعدالة، أقاموا نُظماً استبدادية مريعة. معظم الذين تذرّعوا بالوحدة فككوا أوطانهم شبراً شبراً وزنقة زنقة، ولم يجدوا في شعوبهم سوى جرذان وجراثيم وحشاشين.
في لبنان لم نعرف ديكتاتورية الفرد، لأسباب لا علاقة لها إطلاقاً بأخلاقياتنا، لكننا لم نعرف مرحلة من دون ديكتاتورية الجماعات واستبدادها. هناك ظواهر ديكتاتورية مريعة وخطاب ديكتاتوري شامل وعابر للطوائف. والخطاب الديكتاتوري له عناصر لا تتغير، أهمها الكذب والتحقير وإلغاء الآخر في عمل يومي منظم، ومنقول، في سقم ثقيل، عن كل الأنظمة التي انتهت الى حطام وبعثرة وآلام لا تمحوها القرون.
الديكتاتور الصغير، مثل الكبير، لا يريد من حوله أحياء بل موتى. ولا يطيق وجود غرباء، بل منتفعين ومتسترين وطالبي – أو قابلي – فتات. ومثل الديكتاتور الكبير يخشى الصغير أن تتذكر الناس المُثل والقيَم والقوانين وأحكام العدالة والإنصاف والرفق. ما من شيء في الأرض إلا وهو منَّة منه وتكارم من لدُنه. ما من آخر إلا تابع، أو عبد، بأشكال معاصرة وأكثر لؤماً.
عند الحاجة يتذكر الديكتاتور كل ما حاول محوه من تاريخ. في الحرب مع النازية تناسى ستالين الماركسية – اللينينية وراح يثير في مواطنيه الروح الروسية. تلطّى معمر القذافي خلف وقار عمر المختار لكي يخدّر الشعب الليبي عن العبودية التي ساقه إليها. يجد الديكتاتور – الكبير والصغير – مرعىً خصباً في العقول المسطحة، فيحوّلها حرثا له. تقع الكارثة – على الفريقين – عندما تصطدم السكة بعقل واعٍ أو يقظة مفاجئة.
يسعى الموارنة الى شيء من بقايا السلطة التي كانت لهم، من خلال عرض شبه شامل، للاصطفاف في دائرة الآنيات. شعب لم ينتبه بعد الى كونه حالة إغريقية متحركة على مسرح الآخرين.
يخوض المعركة الانتخابية في الأشرفية نجل بشير الجميل وحفيد كميل شمعون. وفي الشمال يخوض المعركة حفيد سليمان فرنجية ونجل رنيه معوض. وجميعهم أبناء مأساة دموية لا مثيل لها. والمصيبة تجمع في كل مكان، إلا عند سياسيي الموارنة، الذين يتجمع قادتهم اليوم خلف "الأرثوذكسي"، موزِّع الحظوظ والحصص.
أما كان اللبنانيون يتوقعون شيئاً آخر؟ نقاشاً آخر؟ جدلاً حول قضية الوجود والمستقبل والمصير، وليس حول مقاعد الفتوح والرميل؟ ألم يتوقعوا نوعاً من المحاسبة لأولئك الذين وصلوا الى مجلس النواب على ظهورهم؟
مريع مشهدك أيها البلد. وقهقهة "المنتصرين" مريعة مثل أصوات الساحرات في "ماكبث". إنها ترن في الضمائر والعقول مثل أصوات النُعاة. ولا ضوء. تخيل هذا الجدل حول زواج "مدني" في مدن تعيش في الظلمتين، العتم والقهر. الجهل والعجرفة. الكيد والنكاية.
جاء "الربيع العربي"، وهو فصل لا وجود له في بلاد العرب، بشيء واحد، هو حق الاقتراع الحرّ بعد عقود من اقتراع التهريج والزور. للمرة الأولى انتخب المصري ولم يُنتخب عنه. وللمرة الأولى هناك رئيس تونسي مؤقّت لا مؤبّد. وفي الدولة التي كانت أول من ذهب الى صناديق الاختيار، يعيدوننا الى إلزامية الطائفة. في البلد الذي ألغى الطائفة عن الهوية، نُعاد الى الطائفة في إذعان استعبادي استبدادي من زمن الرقّ. ماذا لي في بلد أُمنع فيه من التصويت لحسين الحسيني وحسن الرفاعي؟ وماذا عن بلد يشعر نوابه وهم يناقشون قضايا الوطن، أنهم لا يمثلون سوى بضعة ناخبين في طوائفهم، وليس حتى في مناطقهم؟ كنا نخاف التقسيم والآن يعرضون علينا التصغير. يرتكبون ذلك فيما تنتاب سوريا موجة سوداء من طاعون التفكك والعودة الى كهوف الطوائف.
ما من لحظة شعور بالمسؤولية. ما من مراجعة للسوءات التي تأمر بها النفس. والموارنة يعيشون في عالم سعيد آمن وهادئ لم يبق أمامه سوى تظبيط المقاعد قبل بدء الحفل.
لم نعرف مرحلة في مثل هذه الصفاقة. لا نذكر حتى في أفظع حالات الحرب، صوتاً يقول لنا عودوا الى طوائفكم من أجل أن تتذابحوا على هوياتها. يوم القتل على الهوية كان اسمه "السبت الأسود" وما من شيء أو أحد أو قوة تستطيع أن تجعل يوماً غرائزياً كهفياً في برلمان لبنان "يوماً ناصعاً في تاريخه".
هذا يوم فاحم مثل ظلام بيروت، وفاحش مثل غياب خطابها السوي. يوم تكاثرت فيه الغربان من كل الجهات ولم تبقَ سوى الأصوات الداعية الى الفرقة والخراب. وهل تدري ما هو عنوان الكتاب الآخر الذي وضعه ياقوت بن عبدالله الحموي؟ "المشترك وضعاً والمفترق صعقاً". فتش عن بلدك تحت هذا العنوان.

 

← Back to Selected Articles