Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

الانقلاب - سمير عطالله (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

كتب الأستاذ جهاد الزين السبت الماضي، مشيداً بمرور 125 عاماً على "الفايننشال تايمس"، ربما أهم صحيفة مالية في العالم. كان ذلك في العام 1888. ولكن قبله بثلاثة عشر عاماً، 1875، أصدر بشارة وسليم تقلا في الاسكندرية صحيفة اقتصادية أسبوعية سمياها "الأهرام"، تحوّلت بعد شهرين يومية، ثم انتقلت الى القاهرة لتصبح - حتى الساعة - جريدة مصر. سمياها "الأهرام" تكريماً للبلد المضيف وتاريخه. وبعد سنوات سوف ينشئ جرجي زيدان منارة أخرى لا تزال نضرة الى اليوم، سماها "الهلال"، تقديراً من المهاجر المسيحي لدين الأكثرية العربية.
ليست المسألة في عدد السنين. ولا أعني أن "الأهرام" في حجم "الفايننشال تايمس" وتأثيرها. ليس هذا سبب مقارنة التواريخ. فالسنون في بعض الحالات عراقة، ولكن في أكثرها أعداد غبية، لا تعني شيئاً لأحد. إنما أيقظتنا المناسبة، وتالياً المقارنة، لا على ما فعلنا، بل على ما فقدنا. كان هذا دور لبنان، الصغير، المحفور في الصخر، المفتوح على بحر الهجرة، أن يكون أكبر من حجمه، وأفسح من ضيقه، وأعلى من سفّه الاستهانة به. كان أن يبرر حدوده، بما يحقق خلف جميع الحدود، متلائماً مع امتداداته، في الأكوادور وفي نيويورك وفي الريو وعند محمد خباز في بلاد الأسكيمو. أن يؤكد عاماً بعد آخر، قدرته الإنسانية على أن يكون مواطناً نموذجياً في أي مكان، ما دام ممنوعاً عليه أن يكون مواطناً طبيعياً هانئاً في أرضه.
كيف تداري هذا القدر الصعب، أن تكون بلداً صغيراً وعلى قارعة البر والبحر، باباً لخروج الأهل وقدوم الغزاة والعابرين؟ سافروا الى مصر هرباً من الاضطهاد التركي، وبحثاً عن الأمان وكرامة النفس في ظلّ الألباني محمد علي باشا، الذي فتح الحماية لأقليات الجوار، وصولاً الى مالطا. وفي مصر نثروا الحبر والفكر والفن المسرحي. وكان للطرابلسية فاطمة اليوسف السيادة في المسرح ثم في الصحافة معاً.
ليست مسألة رومانسية طفولية أن نتذكر تأسيس "الأهرام" في معرض المقارنة مع تأسيس "الفايننشال تايمس". نفعل ذلك لأننا اليوم نرسل المحاربين الى سوريا، من الشمال والجنوب. ولأن العائلات التي كانت تفاخر بالأجنحة الفكرية بين العرب، صارت تهددهم بأجنحتها العسكرية. ولأن لبنان الذي كان جامعة يخرِّج رواد العلم العربي، صار معسكراً يدرّب الذاهبين الى مقاتلة شعوبهم والمساهمة في إحراق أرضهم وإهراق حياتهم.
لا بكاء على وهج الماضي بل على قتوم الحاضر. الماضي سرعان ما يعوض نفسه في دنيا الأساطير، تختصره كتب التاريخ بقسوة في صفحات قليلة، ويخلط بالكذب أو بالصدأ. لكن الحديث هنا عن الدور الذي أعطى لبنان معناه المعاصر، وحالة التحضر التي استطاعت ان تجمع بين بنيه منذ أواخر القرن التاسع عشر، الى حين اغتيالها العام 1975. ومنذ ذلك تُغتال كلما حاولت أن ترفع رأسها رافداً مدنياً متقدماً في منطقة ترفض النظم المدنية بجميع أشكالها ومفاهيمها. وكان البابا السابق قد وصف لبنان بأكثر مما هو عندما قال إنه رسالة وذلك في معرض بحثه عن أي ضوءٍ متبقٍٍ لمسيحيي الشرق. لكنه صورة ظلت مشرقة طوال عقود. ليس بالأجنحة العسكرية التي تزرع الخوف وتُغلق أبواب البلد، بل بالأجنحة الإنسانية التي حلّقت في جميع جهات الأرض، من ديفيد معلوف في أوستراليا الى أمين معلوف في باريس الى ميلتون حاطوم في البرازيل. الذي يعرّف بنفسه أنه من "أب مسلم وأم برازيلية ذات دماء مسلمة". معلوف الأوسترالي في أوقيانيا وحاطوم البرازيلي في عالم الأمازون، وأمين معلوف في السدة الأكاديمية، كتبوا في موضوع واحد: الإخاء بين ذوي النفس البشرية الضعيفة، الثلاثة يغرفون من بئر واحدة، وطن الإباء وعذاباته. سوف تجد في كل قارة من قارات هذا العالم لبنانياً يبحث عن سلام النفوس الذي لم يتحقق في لبنان. هاجر أهل حاطوم وديفيد معلوف من جور الضراوة في القرن العشرين، أما معلوف اللبناني، فهاجر عندما رأى البربرية تطرد من حولها الحالمين باستمرار الحلم: دعوا البوسطة تمر الى الحريق.
بحثت في ميامي (فلوريدا) عن ابنة وأبناء أنطوني ابراهام. جمعتني به منتصف السبعينات مودّة وجمَعنا حلم بسيط، كان من أاصحابه يومها الأستاذ أنور الخليل. تعرفت الى أنطوني ابراهام من طريق داني توماس، أشهر لبناني في أميركا بعد جبران. ومن طريق أنطوني ابراهام، تعرفت الى المحامي ريتشارد شدياق.
ماذا يجمع بين جميع هؤلاء؟ لبنان ما قبل الانقلاب. بنى داني طوماس (البشرّاوي) مؤسسة "سانت جود"، الأكبر في العالم لمعالجة سرطان الأطفال. وترك لها ثروته. وترك ابراهام ثروته لها ولغيرها. وترك ريتشارد شدياق، الذي توفي وابراهام قبل نحو عامين، 300 مليون دولار. الثلاثة ممنوعون من الاقتراع في لبنان، لكي نبقى على من لدينا!
كنت مرة برفقة داني طوماس في بعض الجبل، حين خطر له أنني لا أعرف بالتأكيد من هو سانت جود. وعندما طرح السؤال اعتذرت. قال إنه "مار لابا"، ولفظها طبعاً بالبشرّاوية الزغرتاوية السريانية "مور ليبو". لم أبقَ طويلاً في تلك الحلقة، التي كانت أكبر مني كثيراً، في أي حال. وقد خرجت منها برسالة من داني طوماس لم تضُع مني على رغم كل هذه الحياة الغجرية، لأنني أحفظها في حقيبة اليد، الطبقة التي أحفظ فيها بطاقات ابنتي.
درس أنطوني ابراهام الحقوق وعمل في الصحافة وبها بدأت ثروته، ثم تحوّل الى أنجح تاجر "شفروليه" في فلوريدا، لكنه حافظ دوماً على الوعد الذي قطعه لنفسه طفلاً: "إاذ كبرت بنعمة الله، سوف أعطي الطعام للفقير والدواء للمريض". عندما توفي عن مائة عام، كان الأخير بين مؤسسي سانت جود، في ممفيس، تنيسي. وقد أطلق اسم صديقه "طوماس" على أحد أبنائه الأربعة الذين تبنّاهم في أميركا، أما ابنته، نورما جين، فقد أتى بها من ميتم في لبنان، وجميع ملامحها لا تُخطئ، وبشرتها السمراء هي بشرة الأب. وتتولى نورما جين إدارة المؤسسة التي تحمل اسم والدها، في كورال غريبلز، "الحي اللبناني" في ميامي، ولو أسعف الحي الجميل بقليل من الارتفاع، لكان توأم الأشرفية. ومع أنه ليس مثلها على ربوة، فمثلها مليء بأزهار البوغانفيليا. ثمة مسحة من لبنان في كورال غريبلز، ذلك الذي انقضوا عليه العام 1975، يوم كتب نزار قباني بطيبته وعطره "سوف تقتلونه وتندمون"؟ نسي أمير الشعر ان القتلة لا يندمون أنهم يُمعنون.
اجتمع اللبنانيون فقط في عهد النهضة، إذا عيَّر الاسم. يوم كان السباق بينهم نحو هوية فكرية وحضارية. السوريون القوميون كانوا عنوان الثقافة والأدب ما بين 1955 و1975 كما يقول الدكتور جورج يونان(1). الشيوعيون واليساريون أغنوا المرحلة بالنقد المنهجي والترجمات. الصحافة الصادرة من زقاق صغير في سوق الطويلة وحي "الغلغول"(2)، ومجاهل الحازمية، كانت طليعة الصحافة العربية. "المارونية السياسية" كانت بشارة الخوري وكميل شمعون وحميد فرنجية. "المتعصبون" كانوا يوسف السودا وشارل قرم وأنيس فريحة.
لا تنظر حولك الآن. كانت 1975 البداية الدموية لتنفيذ الانقلاب على جمهورية التغريد الإنساني في كل الاتجاهات. انقلبت الموجات الفكرية الى العنف وأصدر سعيد عقل جريدة تغطي أخبار الجبهات. وصار البجع يمر في سماء بيروت، فيطارد بالكلاشنيكوفات، التي وصلت بالصناديق على وجه السرعة، ويُعاد تصديرها – أو الفائض منها – الى سوريا اليوم.
وتلك الصورة - وليس الرسالة - صارت صورة أخرى الخطاب السفيه والأجنحة المقّنعة وانعكاس سياسة المستنقعات على سطح لبنان كما تنعكس الغيوم الكالحة على البحر الهائج. كان طبيعيا أن يلحق السلوك الصحافي بالسلوك السياسي على الصحافة والحرم الجامعي ومدارس الروضة. ولست أذكر، ولا أعتقد أان أحداً يذكر، أن بعض الصحافة شهد يوماً ما نشهد اليوم.
بثور الفرقة والكره في كل مكان. ودُعاة الوحدة والصفح، منبوذون يسقمهم السفهاء. كنت تحيا عمراً في هذا البلد من غير أن تقرأ أو أن تسمع كلمة نابية أو حرفاً جارحاً.
صاغ رجال الدولة الدستور وأنشأوا الميثاق وأقاموا دروب اللقاء وسبل التواصل. وهي جميعاً مقطوعة مع سياسيي اليوم. كان رجال الاستقلال على حدٍّ أدنى من أصول الدولة، وحدٍّ أقصى من حدود الوطن. لا يبدو أن ثمة طريقاً لأي عودة الى أي شيء.
قبل قرن ونصف قرن سبق لبنانيان أوروبا الى جريدة اقتصادية. وبعد قرن ونصف قرن نحن دولة لا اقتصاد لها ولا كهرباء. ونوابها يجتمعون على بُعد أميال قليلة من قندهار للالتواء على قانون انتخابي يضمن استمرار اللعنة الكبرى والفكرة الصغرى. فكرة الطائفية المريضة التي يحملونها الاسم الأقل طائفية في المنطقة. فصل آخر من الانقلاب.

(1) طبيب قلب ومفكر لبناني يقيم في نيو جيرسي منذ 40 عاماً.
(2) يقرأ "أفندي الغلغول"، سيرة الحي الذي صدرت منه "الحياة"، لمؤلفه نادر سراج.

 

← Back to Selected Articles