قانـون انتخـاب: لمـاذا التصويـت؟ - فواز طرابلسي (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ليس اغرب ما في السجال الدائر حول قانون الانتخابات ان ستة افراد، يتزعمون اربع جماعات طائفية، ويزعمون تمثيلها، يضاف اليهم رؤساء السلطة الثلاثة، قد أناطوا بأنفسهم تقرير نوع قانون الانتخاب الذي سوف يذهب اللبنانيون واللبنانيات للتصويت في ظله في الانتخابات النيابية المقبلة.
لعل الاغرب هو ان السجالات الدائرة حاليا، لا تخجل من اعلان التصميم المشترك لدى الافرقاء جميعا على تقرير نتائج الانتخابات سلفاً قبل قيامها، والاتفاق على نسب المحاصصة فيها حتى آخر مقعد. فاذا كانت الانتخابات النيابية السابقة قد حملت مفاجأة غير محسوبة نقلت الاكثرية النيابية من كتلة الى اخرى، فالكل مصمّم على استبعاد اية مفاجآت من الآن فصاعداً. كيف لا والتطورات الاقليمية هي ما هي عليه، يقولون لك.
ومع ان حدة السجالات تتصاعد والانقسامات تخترق الكتلتين الآذاريتين الرئيستين، يلتقي الافرقاء على تقنيات مشتركة لتأمين ضبط الجماعات والتحكّم باتجاهات تصويتها. وابرز تلك التقنيات المشتركة ثلاث.
÷ أُولاها: استبعاد الكتل البشرية الكبيرة التي يصعب التأكد من حجمها او نسبها الطائفية والمذهبية ناهيك عن ولاءاتها وميولها الانتخابية. والمقصود ملايين العاملين في الخارج والمغتربين. وهؤلاء موعودون، منذ اتفاق الطائف، بتدبير نظام يرعى إمكان اقتراعهم في امكنة الاقامة والعمل، وهم ما زالوا منه محرومين. صحيح انه يمكن اغراء الالوف منهم بالزيارة المجانية المدفوعة البطاقة والاقامة والاجر في موعد الانتخابات. لكنها ممارسة لم تطاول الا نسبة ضئيلة من اصحاب الحق في الاقتراع وعددا من الافراد القادرين على تحمّل مثل هذه الاكلاف الانتخابية.
÷ تقضي التقنية الثانية باستبعاد الشباب البالغين السن القانونية من حق الاقتراع الى حين بلوغ سن الـ ٢١. وهؤلاء كتلة لا تقل غموضا وهلامية عن المغتربين، وإن أوحت بأنها اكثر استعصاء على السيطرة والتحكم خصوصا في زمن الثورات هذا. فلا داعي للمخاطرة في كل الاحوال.
÷ اما التقنية الثالثة فتتعلّق بمكان الاقتراع. يقيم اكثر من ٧٥ في المئة من اللبنانيين في المدن، الكثير منهم منذ عقود وعقود من الزمن، في حين ان اكثر من ٧٥ في المئة منهم يقترع في «مسقط رأسه» في الارياف، حيث تضبطه عوامل العصب العائلي والقرابة والمذهب، وحيث ينتخب هؤلاء الريفيون المزيفون من لن يمثل مصالحهم بعد ان حرموا من حق انتخاب من يجب ان يمثلهم في المجالس البلدية والنيابية حيث يقيمون ويعملون ويدرسون ويمارسون شتى نواحي حياتهم المدنية بما هم مواطنون.
مع ذلك، فالدعوة الى ما سمّي «القانون الارثوذكسي» القاضي بأن ينتخب ابناء كل طائفة نوابهم مباشرة، كشفت ذروة التأزم في نظام التمثيل الطوائفي برمّته. نظام تمثيل طائفي لا يزال يتطلب ان ينتخب ابناء كل طائفة نوابهم؟ ماذا كنا نفعل كل هذه السنوات والعقود؟
قام منطق التمثيل النيابي الطائفي لفترة ما قبل الحرب على فرضية تقول إن المنافسة بين مرشحي الطائفة التي تشكل الاكثرية العددية من المقترعين في الوحدة الانتخابية المعنية (المحافظة غالبا) سوف تدفع بهؤلاء الى توسل اصوات ابناء الاقليات. صحيح انه سوف ينجم عن ذلك نواب طوائفيون الا انهم سوف يتصفون بالاعتدال الطائفي، لاضطرارهم إلى مراعاة من رجّح كفتهم على منافسيهم. هكذا تقول الحكاية.
فرضت الحرب والاستئثار الميليشياوي والزعامي تمثيل طوائف رئيسة بزعيم او اثنين لكل واحدة. نجم عن ذلك انقلاب كامل في الصيغة المعهودة. فبدلا من ان يشكل ناخبو الاقليات العنصر المقرر في اختيار نواب الاكثرية، وتعيين سياساتهم، صار ناخبو الاكثرية وزعماؤها هم الذين يقررون من ينجح من مرشحي الاقليات. هدّد هذا الانقلاب صيغة المناصفة التي اقرّها الطائف وانسحب على الجماعتين الدرزية والارثوذكسية. الاولى ترفض ان يختار الناخبون المسيحيون نوابها وان تحرم من انتخاب نواب من طوائف ومذاهب اخرى. واما الثانية فلسان حالها مطلب التحرر من الوصاية والتمثيل بالنيابة عن طريق الموارنة، الجماعة الاكبر بين المسيحيين.
حقيقة الامر ان الجميع جرّب المجرّب واخذ يقترب من المحظور. ثمة اقتراح بتحويل الطوائف الى وحدات انتخابية تنتخب ممثليها مباشرة؟ ممتاز! هذا ما يؤمنه حرفيا مجلس الشيوخ الذي ينص عليه الدستور. حقيقة الامر ان ثمة اقتراحات باعتماد مجلسين، ولكنها لا تزال تعتمد التمثيل الطائفي، في حين يقضي الدستور بأن يقوم مجلس نيابي خارج القيد الطائفي. وطريف ايضا كيف تتواتر اقتراحات تقترب من الدعوة لاعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية واللائحة المقفلة، ثم تتفلّت منها باعتماد التمثيل الطائفي او باهمال اللوائح المقفلة. علما ان هذه الاخيرة هي التي تسمح بأدق تمثيل ممكن لكل تلاوين الحياة السياسية، وتفسح في المجال امام تمثيل التيارات الصغيرة بل وحتى الافراد. فمع النظام النسبي بالمواصفات المذكورة، يصعب، إن لم يكن يستحيل، ان يصدر عن الانتخابات اكثرية تستأثر بالتمثيل النيابي وتفرض حكومات من لون واحد. فعادة ما ينتج هذا النظام في العادة مجالس نيابية تستدعي التحالفات العريضة وتفضي الى تشكيل الحكومات الائتلافية.
وهكذا على المسرح امام اللبنانيين رئيس جمهورية مؤتمن على الدستور، ورئيس مجلس نيابي ونواب يشرّعون بمقتضى الدستور، ورئيس حكومة ووزراؤه، ينفذون تلك التشريعات والقوانين، ويصدرون هم انفسهم ما تيسر من قرارات ومراسيم، والكل ينتمي الى ما يسمّى «المؤسسات الدستورية». ومع ذلك فالكل غافل، واكثرنا معه، عن حقيقة ان الجمهورية الثانية لم تستكمل تطبيق دستورها، والكل منشغل، واكثرنا معه، بالبحث في كيفية صياغة قانون انتخابي يوفّر على اللبنانيين عناء التصويت.
ان ما يجري بين اطراف الفريق الحاكم اشبه بالمنازعات المعروفة على التعيينات. لن يفوز اي زعيم طائفة او حزب تماما بمن قرر توظيفهم جميعا. لكن الحصيلة سوف تكون محصلة طلبات ومصالح الجميع، تقريبا.
لكن الانتخابات النيابية عندما تشبه التعيينات للوظائف الادارية، عندما تفقد عنصر المنافسة والمفاجأة، اي عندما يخسر المواطن معها، صفة المواطن ليصير من «الاهلين»، اي الرعايا، ويحرم فوق ذلك من حرية التصرّف بصوته ومن فرص الاختيار بين مرشحين على اساس برامج وخطط وسياسات، وعندما يصير الزعيم والحزب هو البرنامج وهو الخطة وهو السياسة، فما الجدوى من التصويت اصلا؟!