لـبـنـان فـي مـجـلـس الأمـن - نواف سلام (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
في 15 تشرين الأوّل 2009 انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن لعامي 2010 ـ 2011. وكان ذلك بعد مرور 57 سنة على انتخابه لأوّل مرّة لعامي 1953 و1954. وقد صوّتت 180 دولة من أصل 193 لمصلحة لبنان الذي لم يعد له من منافس على هذا المقعد منذ تبنّت مجموعة الدول الآسيوية ترشيحه العام 2008.
وكاد موضوع الترشيح يتحوّل إلى مسألة خلافية في لبنان مع اقتراب موعد هذه الانتخابات. فهناك من بين السياسيين اللبنانيين من دعا إلى التراجع عنه بدعوى أن لا مصلحة للبنان بدخول مجلس الأمن، لأن ذلك سيجعله عرضة لضغوط لا طاقة له على تحمّلها، كما أنه سيزيد من انقساماته الداخلية. وأخذ بعض المعلّقين المحلّيين يشكّكون في قدرات لبنان على مواجهة تحدٍّ كبير كهذا، مركّزين على هشاشة وضعه السياسي. وكذلك سعت بعض الدول الكبرى لدى المسؤولين اللبنانيين لثنيهم عن المضي في هذا الترشيح متذرِّعة بأن لا فائدة تُرجى منه للبنان، وربما كان ذلك أيضاً بسبب حسابات لديها من أنه لن يجاري مصالحها في عددٍ من الملفات الأساسية المطروحة على طاولة مجلس الأمن.
والواقع أن المسألة المطروحة على لبنان العام 2009 لم تكن هل يترشّح أم لا لمقعد عضو غير دائم في مجلس الأمن، بل هل يبقي على ترشيحه أم يسحبه بعدما كان قد تقدّم به العام 1996 وتبنّته جامعة الدول العربية العام 1997 كما أيّدته منظمة المؤتمر الإسلامي العام 2008. وفي ضوء ذلك، لو قرّر لبنان عدم المضي في ترشيحه والإحجام عن تحمُّل المسؤولية في مجلس الأمن، لكان بعث برسالة إلى العالم بأنه إما «دولة فاشلة» وإما أن حكومته عاجزة. وهذا ما كان يدركه جيداً كل من رئيس الجمهورية، الرئيس ميشال سليمان، ورئيس مجلس الوزراء آنذاك، الرئيس فؤاد السنيورة، في رعايتهما المضي في الترشيح.
إلا أن هذا لا يعني أن شيئاً من مخاوف المتحفِّظين على عضوية لبنان في مجلس الأمن لم يكن مشروعاً، أو أن التحدّيات التي واجهت لبنان بسبب دخوله المجلس لم تلازمها بعض المخاطر. والواقع أن مسألة عضوية لبنان في مجلس الأمن مثلها مثل أي قرار سياسي آخر، لا يمكن أن تكون كلّها ربحاً أو كلّها خسارة. لكن الواضح أن فرصة هذه العضوية شكّلت مناسبة للبنان ليشهد للعالم، ومن أعلى منبر أممي، أنه بلد يستعيد عافيته ويعود دولة لها سياستها الخارجية المستقلّة وقادرة على أن تكون شريكاً في صناعة القرار الدولي، بعدما كانت قد غلبت النظرة إليه كبلد منقسم على ذاته نتيجة للحرب الأهلية الطويلة التي مر بها، أو كساحة لـ«حروب الآخرين» على أرضه، أو كقاعدة لمنظمات «إرهابية» محلّية وأجنبية.
ولعل الأهم هنا أنه بعدما بقي لبنان طويلاً «مشكلة» على جدول أعمال مجلس الأمن، أقّله منذ الاجتياح الإسرائيلي العام 1978، أتاحت له عضويته في المجلس أن يصبح دولة جالسة إلى طاولته بدل أن يكون مجرد ملفٍ عليها. بكلام آخر، فإن عضوية لبنان أتاحت له إمكانية إسماع صوته مباشرة من داخل المجلس عند بحث القضايا الخاصة به واتخاذ القرارات الدولية بشأنها. وهكذا كان في السنتين الماضيتين بالنسبة إلى كل ما يتعلق بتنفيذ القرار 1701 وبمهمة قوات «اليونيفيل» مثلاً.
ثم إن عضوية لبنان في المجلس جعلت رأيه، لا بل صوته، مطلوباً في كل القضايا المطروحة على جدول أعمال المجلس، ما أعطاه، من دون شك، قيمة دولية مضافة، إذ ليس صحيحاً ما يتردّد أحياناً كثيرة من أن الدول دائمة العضوية هي وحدها صانعة القرار الأممي. فاعتماد القرارات في مجلس الأمن يتطلّب توافر تسعة أصوات، ما يدل على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول غير الدائمة العضوية. ومن الأمثلة على ذلك، أن الولايات المتحدة لم تستطع العام 2003 تأمين تسعة أصوات لإصدار قرار يُضفي الشرعية الدولية لحربها على العراق، بغض النظر عن أن مثل هذا القرار كان يمكن أن يواجَه بفيتو فرنسي. كذلك لو قُدِّم مشروع قبول عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة إلى التصويت العام 2011 لسقط، ليس نتيجة الفيتو الذي أعلنت الولايات المتحدة أنها ستستخدمه فحسب، بل لعدم القدرة على تأمين تسعة أصوات إلى جانبه. وهذه أمثلة تدلّ على قيمة صوت دولة غير دائمة العضوية كلبنان في مجلس الأمن والدور الذي يمكن أن تؤديه في صناعة القرار الأممي (...)
ونتيجة معاناته الخاصة، وانطلاقاً من الدروس المُفترض استخلاصها من تجاربه، خصّص لبنان خلال رئاسته الأولى لمجلس الأمن في أيار 2010 جلسة نقاش لموضوع «الحوار بين الثقافات من أجل السلم والأمن الدوليين» وذلك لإدراكه أهمية حوار كهذا في معالجة الأزمات الدولية، خصوصاً في عالم ما بعد 11 أيلول 2001. وهو العالم الذي تنامت فيه الصور النمطيّة، ولا سيما الخوف والتخويف من الإسلام، كما ازدادت فيه مخاطر الشعور بالعزل والتهميش، ما يؤكد أكثر من أي وقت مضى أهمية التعرُّف إلى الآخر واحترام ثقافته وتاريخه ومعتقداته بما يخفّف من التوترات الدولية، ويسهم في نشر مفهوم السلام القائم على العدل والمساواة وعلى التسامح وقبول الاختلاف.
وخلال رئاسته الثانية للمجلس في أيلول 2011، التي تزامنت مع افتتاح الدورة السنوية الـسادسة والستين للجمعية العامة، خصّص لبنان جلسة نقاش رفيعة المستوى لموضوع «الديبلوماسية الوقائية». والهدف من ذلك كان تأكيد ضرورة تطوير دور الأمم المتحدة، بحيث لا يقتصر على احتواء الأزمات ـ كما يحصل في الغالب اليوم ـ أو حتى على حلّها، بل أن يركّز على معالجة الأسباب التي يمكن أن تمنع نشوءها أو انتشارها، وعلى تعزيز عوامل الاستقرار داخل الدول وفي ما بينها للحؤول دون عودة الأزمات إليها. والواقع أن كلفة الدبلوماسية الوقائية هي أقل بكثير من كلفة النزاعات وتداعياتها (...)
والواقع أن عضوية لبنان في مجلس الأمن مثّلت فرصة له ليترجم دعواته المبدئية إلى تعزيز التعاون الدولي وسيادة القانون وأولوية حل الخلافات بالطرق السلمية واحترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، مواقف فعلية سجّلها في كلماته كما جسّدها في تصويته على مشاريع القرارات في المجلس أو في تبنيه للبيانات الرئاسية والصحافية التى أصدرها. كما كانت هذه العضوية مناسبة أبرزت لبنان مجدداً ـ كما يظهر في عددٍ من فصول هذا الكتاب ـ خَير مدافعٍ عن القضايا العربية، ولا سيما القضية الفلسطينية التي شهدت ثلات محطات مهمة في مجلس الأمن خلال عامي 2010 و2011، هي مشروع القرار ضد الاستيطان والاعتداء على «أسطول الحرية» المتوجِّه إلى غزة وطلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة. ويعود هذا من جهة إلى ما لا يزال يتمتع به لبنان من صدقية كبيرة عند العرب عموماً ومن إقرارهم بالكفاءة المميزة لديبلوماسييه كما سبق واختبروها في أكثر من مناسبة في هذا المحفل الدولي، ومن جهة ثانية لما برح يلقاه لبنان، أكثر من غيره، من آذان صاغية عند معظم دول العالم، بما فيها الغربية (...)
ولأن لبنان هو في قلب منطقة ملتهبة من العالم، ولأنه بلد صغير ومعرّض أساساً للأطماع الإسرائيلية، فمن الضروري أن يكون له حضور دولي قوي وديبلوماسية فاعلة تعزِّز حمايته بموازاة الحاجة إلى ترسيخ وحدته الوطنية وتنمية قدراته الدفاعية. من هنا أهميّة مشاركة الرئيس ميشال سليمان خلال فترة عضوية لبنان في مجلس الأمن في جلستين، الأولى في أيلول 2010 في ظل الرئاسة التركية بشأن قضايا «حفظ السلام»، والثانية في أيلول 2011 عندما ترأس الجلسة التي دعا إليها لبنان بشأن موضوع «الديبلوماسية الوقائية»، والتي تحدّث فيها عدد كبير من رؤساء الدول أو وزراء الخارجية. كما كان مهماً للحضور الدولي للبنان قدوم الرئيس سعد الحريري إلى الأمم المتحدة ليترأس الجلسة التي دعا إليها لبنان حول «الحوار بين الثقافات» في أيار 2010، وأن يترأس الرئيس نجيب ميقاتي جلسة خاصة بأزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية خلال رئاسة لبنان الثانية للمجلس.
إضافة إلى أهمية التحديات المتعلقة بالمسائل الخاصة بلبنان والقضية الفلسطينية، ولا سيما موضوع عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، فإن أصعب التحديات التي كان على لبنان أن يتعامل معها خلال ولايته في مجلس الأمن هي الملف النووي الإيراني والأزمتان الليبية والسورية.
كانت الضغوط كبيرة على لبنان بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، تماماً مثلما كان الانقسام الداخلي حول الموقف منه. غير أن تصويت لبنان بالامتناع على مشروع قرار العقوبات الجديد (حزيران 2010) لم يكن مجرد انعكاس للانقسام الداخلي، بل كان أيضاً تعبيراً عن موقف يرى أن لغة العقوبات ليست الطريق الأنجع للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني، وأن الحوار يبقى السبيل الأنسب لتبديد تساؤلات المجتمع الدولي حوله. وكان التصويت في مجلس الأمن مناسبة للبنان لأن يذكِّر أيضاً بثوابت السياسة العربية في هذا المجال، وهي الدعوة إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وتأكيد الحق المشروع لكل الدول في تطوير قدراتها النووية للأغراض السلمية ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. والقرار بالامتناع هذا لم يكن أبداً «خياراً بين السيّئ والأقل سوءاً» كما صوّره البعض، بل كان القرار الملائم، لأنه حافظ على وحدة الموقف اللبناني في مسألة خلافية داخلية، كما عكس في الوقت نفسه حقيقة المناخ العربي تجاه هذا الملف، ولم يتجاهل تساؤلات المجتمع الدولي.
وكانت رعاية لبنان للقرارين المتعلقين بليبيا، 1970 و1973، خياراً جريئاً ومهماً، لأنها المرة الأولى التي يُفعِّل فيها مجلس الأمن مبدأ «مسؤولية الحماية» (Responsibilitytoprotect) كما أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة إثر مجازر رواندا والبوسنة في دورتها التي انعقدت على مستوى القمة العام 2005، وفحواه أن «السيادة الوطنية» هي مسؤولية وليست مجرد حق. صحيح هنا أن الموقف اللبناني في مجلس الأمن كان قوياً لقدرته على الاستناد إلى إجماعٍ داخلي في إدانة تصرّفات النظام الليبي وإلى طلبٍ من جامعة الدول العربية لفرض حظر جوي و«إقامة مناطق آمنة» لحماية الليبيين، إلا أن مسألة الإذن للدول الأعضاء بـ«اتخاذ كل التدابير اللازمة» لتحقيق ذلك، أي بما يعني إمكانية استخدام القوة، قد مثّلت تحدياً كبيراً للبنان الذي نجح خلال المفاوضات على القرار 1973 في أن يضيف إلى متنه النص على «استبعاد أي قوة احتلال أجنبية أياً كان شكلها وعلى أي جزء من الأراضي الليبية»، منعاً لأي التباس قد يعرِّض استقلال ليبيا وسيادتها ووحدة أراضيها للخطر.
أما بالنسبة إلى الأزمة السورية، فإن مسألة إصدار بيان رئاسي عن المجلس في آب 2011 مثّلت لحظة صعبة للبنان الذي كان عليه أن يوازن بين حالة انقسامه الداخلي من جهة، وتوافق سائر أعضاء المجلس على إصدار بيانٍ رئاسي يدين «انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها السلطات السورية على نطاق واسع، كما يدين استخدامها القوة في حق المدنيين» من جهة ثانية. ولمّا كانت البيانات الرئاسية لمجلس الأمن تتطلّب إجماع أعضائه الـ15، فإن صيغة «النأي بالنفس» (Disassociation) التي اعتمدها لبنان قد وفّرت له الإمكانية لتحييد نفسه عن مضمون البيان الرئاسي، وتالياً السماح بإصداره بينما كان في إمكانه أن يعطّل ذلك. والحقيقة أن صيغة «النأي بالنفس» التي تبنّاها لبنان تستند إلى سابقة نأي الصين بنفسها عن البيان الرئاسي للمجلس الصادر بتاريخ 28/2/1974 بشأن النزاع الحدودي بين العراق وإيران. ثم ترجم لبنان موقف «النأي بالنفس» هذا تصويتاً بالامتناع على مشروع القرار بشأن الحالة في سوريا الذي قدمته الدول الغربية واستخدمت روسيا والصين ضده الفيتو بتاريخ 4/10/2011. وعلى الرغم من أن خيار «النأي بالنفس» قد انتُقد، وبشدة أحياناً، تارة من أطرافٍ في المعارضة اللبنانية وطوراً من أطراف مشاركة في الحكومة، تبقى صوابيته في تغليبه عامل المحافظة على الوحدة والاستقرار الداخليين على أي اعتبار آخر، دون أن يضع ذلك لبنان في تناقض مع التزاماته العربية أو الدولية ومنها واجباته تجاه اللاجئين السوريين.
ومسألة المحافظة على الوحدة والاستقرار الداخليين، مثلها مثل توفير الأمن وتأمين السلامة، هي في أساس المصلحة العليا للدولة التي يجب دائماً تقديمها على أي مصلحة أخرى، كالفوائد التجارية أو حتى المكاسب الاستراتيجية عند اتخاذ القرارات المتعلّقة بالسياسة الخارجية. والتعامل مع الأزمة السورية، كما مع الملف النووي الإيراني من قبل، كان مناسبة للتذكير بأن صناعة السياسة الخارجية في لبنان، كما في أي دولة أخرى من العالم، إنما هي دوماً محصِّلة عاملين، داخليا وخارجيا، بمعنى أنها نتيجة مشاورات داخلية بقدر ما هي نتيجة مفاوضات دولية.
من مقدمة الكتاب، الصادر عن دار الساقي. وسيوقع غداً في المعرض.
[ مندوب لبنان في الأمم المتحدة