Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

ربيع اقتصادي أو ريع عربي - شرب نحاس (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

عقدت، بدعوة من «مركز أبحاث التنمية الدولية» (IDRC) الكندي، ندوة في تونس، يومي 29 و30 تشرين الأول 2012، تحت عنوان: «من الربيع العربي إلى الربيع الاقتصادي»، شارك فيها عدد كبير من المسؤولين السابقين من وزراء وحكام مصارف مركزية ومن رؤساء منظمات دولية وإقليمية ومن الباحثين، من مختلف الدول العربية.
وقد خصصت الجلسة الأخيرة للبحث في «النمو واستدامته وشموله»، وكان لشربل نحاس المداخلة التالية:
العنوان المرصود للجلسة: «النمو واستدامته وشموله». الإجابة على التساؤلات التي يتضمنها هذا العنوان لا تحتاج إلى كثير عناء:
÷ فالنمو في المنطقة العربية معدوم وهو حتى سلبي، بشرط أن نضع جانباً العائد الريعي البحت الناجم عن تحويل مخزون من النفط إلى مخزون من المال.
÷ والاستدامة مفتقدة، إذ ان استهلاك الموارد الطبيعية يتواكب بشكل متزايد مع استهلاك الموارد البشرية بالبطالة والهجرة والحرب والتهجير والتدجين.
÷ تبقى مسألة الشمولية، أي اعتبارات الاقتصاد السياسي إذا سمينا الأشياء بأسمائها.
ومن هنا أبدأ.
نحو اليوم في لقاء استثنائي لإعادة النظر بالتوجهات البحثية ولتصويبها على ضوء الانتفاضات العربية التي لم تكن الغالبية تتوقعها، فلا نفع كبيراً من ترداد ما كان يجري قوله قبل حصولها وكأن شيئا لم يحصل.
المنتدون جميعاً ههنا من أهل العلم، أساتذة جامعيون وباحثون، وحتى السياسيون الحاضرون يشاركون بوصفهم أيضاً من أهل العلم، وإن تسلموا مسؤوليات عامة في السابق و/أو كانوا يطمحون لتبوء مثلها في المستقبل. والعلماء يقرظون السياسيين ويشكون من عدم تجاوبهم مع النصح ومن تصرفاتهم الرعناء دائماً والمجرمة أحياناً. وما دام الحكام أرذالاً، في نظر العلماء، ولا يسعون إلا إلى السلطة والمال، يصبح السؤال: هل يصل الأرذال إلى السلطة لأنهم ارذال (وما أجمل الملكيات والإمارات والمشيخات او حتى الحكام الأجانب كونهم معفيين من تلك المهانة)؟ أو هم يصبحون أرذالاً أو يبدون كذلك بحكم ضرورات السلطة؟ وعندها لا بد أن يتركز البحث على تلك الضرورات.
أما المفكرون والعلماء فيبدو أنهم ما انفكوا ينصحون بالخير والصلاح، حتى لو نصحوا بالشيء وبعكسه، بين فترة وأخرى، أو، إذا مد الزمن خطاه، حتى لو تناقضت مواقف الآباء الأجلاء من العلماء الذين بشروا بمقولات سياسية مختلفة، مع مواقف الأبناء النبهاء الذين يبشرون بعكسها، من دون السعي لفهم دواعي مقولاتهم ولا سيما منها القومية والاشتراكية وظروفها. ألا يدعو هذا الواقع القائم على الافتراق شبه الكامل بين الخطاب والممارسة، او وفق اللغة الرائجة، على فقدان المحاسبة، «أكونتابيليتي»، إلى البحث في دور العالم والسلطان وعلاقتهما القديمة المتجددة، والسلطان قد يكون محلياً أو دولياً، لا فرق.
على سبيل المثال، بشر البنك الدولي بالخصخصة ولا سيما في قطاع الاتصالات، وبوقف دعم الريف، وباعتماد انظمة المساعدات النقدية الانتقائية عوضاً عن أنظمة إعادة التوزيع المؤسسية، وبتحرير حركة الرساميل، وكلها كمنت في أساس التحركات الشعبية التي أطلق عليها مطبخ تفقيس الشعارات اسم «الربيع العربي». ولا يسعني، في معرض اختراع الشعارات، إلا ان أذكر بأننا هنا في مكان انطلاق التحرك الشعبي العربي وإنما نحن أيضا في مكان تجسدت فيه تسمية أفريقيا بوصفها الأرض المفترقة عن الشاطئ الكنعاني، بينما أرض الغروب استعارت من تلك اللغة القديمة اسمها أوروبا. هل يجوز والأمر كذلك ان نقبل بأن تسمى بلادنا «مينا ريجيون» نسبة إلى تينك الأوروبا والأفريقيا المولدتين من لغاتنا وكأن لا موقع لنا في الدنيا إلا في مقابلهما؟
إن التغاضي عن ربط الممارسة بالخطاب، في سياق الرضى عن استلاب المفاهيم والمفردات، يلغي العمل النقدي والتراكم المعرفي من جذورهما، بينما الإصرار عليه، وإن فرض بعض العناء والتواضع والجرأة، هو المدخل لصياغات نظرية من مرتبة أعلى تتناول الخطاب والفعل في تلازمهما المحتوم. تبعاً لما شرح الأستاذ بشيفورسكي (Przeworski) في عرضه، فإن الخيارات السياسية تنجم عنها، عبر الزمن وبين البلدان والمجتمعات، نتائج تتوزع في مروحة واسعة مع انحراف كبير بينها. يترتب على هذه المعاينة البسيطة في الظاهر بضعة نتائج خطيرة:
1ـ يعني اتساع الانحراف أولاً صعوبة الارتقاب وأهمية الظروف الأولية الخاصة قياساً على التوصيف النمطي للسياسات وأهمية المعرفة الموضوعية والتاريخية، وهو يفضح تفاهة الوصفات الأيديولوجية الثابتة التي تبقى ثابتة إلى حين تبدل الموضة والتي ترتدي لباس الـ«بست براكتس»والـ«بنشمرك» والحوكمة الغوفرننس» وأخواتها، والتي تنسب إلى شخصيات أسطورية تسمى «مجتمعاً دولياً» و«مجتمعاً مدنياً» و«منظمات أهلية».
2ـ يعني اتساع الانحراف ثانياً ضرورة البحث التراجعي من النتائج استقراءً لمسبباتها، مع التوقف عند الأوضاع السابقة الخاصة وعند التقييم، بوصفه استقراءً للبدائل المتاحة عند كل مفصل تاريخي، والبدائل قائمة دوماً، على عكس ما يفرض خطاب السلطة، أي سلطة، دوماً.
3ـ واتساع المعيار يعني ثالثاً ان الخيارات صعبة الحسم وليست بديهية أبداً، ولهذا السبب بالذات تقع صعوبة الخيارات في أساس تبرير دور السياسة (طبعاً لمن لم يحل أزمته باعتبار المسؤول نبياً ملهماً او شريراً داهية، او الأول فالثاني، تباعاً، بعد سقوطه من كرسي السلطة المقدس والموهوم).
ولا يسعني هنا إلا أن أستذكر كلمة القذافي في مؤتمر القمة العربية سنة 2008، حيث خاطب من يدعَون «الملوك والرؤساء العرب»، غداة إعدام صدام حسين، قائلا لهم: «كيف نجلس اليوم ولا شيء يجمعنا سوى القاعة، وكلنا أصدقاء أميركا، وصدام كان صديقاً لأميركا وقد قتل، وغداً سوف نقتل الواحد تلو الآخر». فلننظر إلى أصحاب السلطة بعد تنحيهم او إزاحتهم، كم يبدون ضعفاء، وكم تبدو ذكرياتهم ضحلة، إذا تجرأ أحد على جمعها.
يتقبل الناس السلطة بوصفها الآلية القائمة على إيكالهم تبعة الخيارات الصعبة والملتبسة إلى اختصاصيين يفرض موقعهم الوظيفي عليهم ان يتخذوا «المواقف»، فيزعمون من خلالها فهم الواقع المعقد والحسم في شعاب التباساته ومخاوفه، ولذا يسمون «زعماء» أو «قادة» أو «قضاة» أو «مرشدين» أو «رجال أعمال» أو خلاف ذلك... ويرتضي الناس طوعاً، مقابل إزاحة عبء القلق عنهم، إعطاء الامتيازات المادية والمعنوية لهؤلاء، تكريساً للوهم المؤسسي للسلطة والوهم المؤسس لها. في هذا السياق، ليس العلماء فقط جزءاً من النظام، بل هم كهنته، ولا عجب، في مفاصل الحيرة، ان يحولوا كلامهم إلى الوعظ في الأخلاق وطقوس الحياة الخاصة، لزرع القلق وحصاد غلاته، وهم أنفسهم يرسمون سبل الخلاص، فيتكلمون عن مراحل الانتقال «ترازيشن»، وكأن عنوان الجنة محدد ومعلوم ويكفي رسم الطريق إليها، ويتكلمون عن إصلاحات وتصحيح انحرافات، «ريفورم»، على مثال دعاة العودة إلى سنة الأسلاف الصالحين.
يترجم النظام المجتمعي في العلاقات المعيوشة هذا الإقرار الطوعي بوهم السلطة المؤسسي وبالوهم المؤسس لها.
وكل نظام يتضمن حكماً، ليستحق تسميته، آليات لضبط الخلافات ضمنه ولاستيعاب الخضات الخارجية التي يتعرض لها، ضمن حدود طبعاً، لكنها حدود أوسع بكثير مما يبدو لأول وهلة. بضعة ملاحظات انطلاقاً من هنا:
1ـ لا بد أولاً من التساؤل حول: أي نظام سقط في مصر وتونس، من دون نسيان اليمن، وهي الحالات الثلاث التي لم تتحول فيها الحركية الشعبية حرباً مستشرية؟ وهل من ثورة تنجز تغييراً في النظام المجتمعي الذي يحدد أصول العلاقات والسلطة في المجتمع خلال 15 يوماً! في الواقع، تلتقي أبلسة القائد مع تقديسه، والموقفان صنوان، وهما، في الحالتين، معاً أو تباعاً، يجددان النظام بافتدائه من خلال التضحية بالقائد.
2ـ كلما اتسعت رقعة الوهم المؤسسي للسلطة والوهم المؤسس لها، وكلما ترسخت جذوره ونسجت حوله، وكلما ضاقت بالتالي مساحة الخلاف حول مرتكزات النظام، يصبح من الممكن والمفيد معاً تلطيف شروط العقد الإيكالي للسلطة، إيحاءً بمشاركة الناس بتبعات حسم القرار من جهة وخفضاً للطابع المقدس للقائد من جهة أخرى. غالباً ما يسمى هذا التطور التاريخي ديموقراطية، ويصور على أنه إنجاز أخلاقي مطلق، ويتم الخلط بينه وبين مرونة الضوابط المعيوشة التي يلقيها كل نظام مجتمعي على الفرد وحريته وكرامته الإنسانية. ينطوي تركيز البحث السياسي على الانتخابات وعلى تداول المواقع في البنيان الشكلي للدولة على تبسيط وبعض من سذاجة، إذا صفت النيات.
3ـ في المقابل، لا غرابة ولا علاقة لأي خصوصية عرقية أو ثقافية في أن يستدعي ارتفاع منسوب القلق لدى الأفراد، محكومين وحاكمين، اشتداد لحمة العصبية بينهم، وكم يجدر استذكار إبن خلدون في الأرض التي ولد فيها. ويهمني أن أطمئن صديقي عمر رزاز، الذي أشار إلى ارتفاع كلفة الولاء ضمن العقد التأسيسي للسلطة على إثر الحركة الشعبية وتفسخ جدار الصمت والخوف، حيث ان أقصر طريق لخفضها مجدداً هو رفع منسوب القلق، وصولاً إلى العنف والحرب. وهذا ما نشهد حالياً في سوريا، حيث تتلاقى دواعي العصبية الاحتمائية من ناحية الطلب مع تأثيرات تدمير سبل المعيشة من ناحية العرض، لتشد أواصر العصبيات والولاء وتحول العنف إلى آلية مستدامة.
ما علة العصبيات والطوائف إذاً؟ علتها تأتي من كون الدولة هي الشكل الأجدى، تجاه الخارج، لتأطير القلق وإنما الطاقات أيضاً، وهي بالتالي الأقدر على صد التأثيرات الخارجية وعلى تطوير مقدرات المجتمع. مجتمعاتنا بحاجة ماسة إلى مزيد من الدولة، والدولة ليست القطاع العام وهي لا تتقابل ولا تتعامل مع القطاع الخاص، بل مع المجتمع والاقتصاد بكليتهما، ولا هي تلك الصيغ الإرضائية والاسترضائية التي تعودنا عليها ولبست لبوس الدولة زوراً وتزويراً. لكن إقامة الدولة يستدعي تفكيك المتحدات والعصبيات القائمة، وهذا يرفع منسوب القلق في معرض ادّعاء خفضه.
يمكن، في هذا الإطار المفهومي، استطلاع خاصتين للدول العربية:
1ـ خلافاً لما يردد من دون ملل عن اختلافات جوهرية بين الاسلام من جهة والغرب اليهودي ـ المسيحي، كما درجت التسمية، من جهة أخرى، وعن الحضارات وصراعها وحوارها، وتبريراً لهذا الخطاب المستغرب، يجدر عدم إشاحة النظر عن كون المنطقة العربية هي الأقرب، مع الشرق الأوروبي، تاريخياً وثقافياً، إلى الغرب الاوروبي، وهي التي واجهته في بدايات توسعه في العصر الحديث، وانهزمت امام سلعه وسلاحه، ولما نهض من أبنائها من سعوا إلى التحديث، مستلهمين الحداثة الغربية، ارتد الغرب ضدهم في مواجهات كاسحة، وزرع بالقوة، كياناً عدوانياً مستقوياً، فترسخ لدى العامة والنخب شعور ملتبس يختلط فيه النزوع لتجرع الهزيمة وشراء الأمان، على صعيد الدولة والطائفة والأسرة والفرد، مع النزوع لدى القلة للعناد ومعاودة الكرة والمقاومة، سواء على صعيد الدولة او الطائفة او الأسرة او الفرد.
2ـ تتسم مجتمعاتنا بتكافل مجتمعي حاد وبحرص شديد على البنى الأسرية والمجتمعية، ولدته قرون من الانخراط في انتظام مجتمعي محكم أعطى للحمة المجتمعية وللمحافظة عليها الأولوية. بلادنا أوكلت السلطان عليها إلى الأغراب والمماليك، فمصر لم يتبوأ السلطة عليها مصري قبل محمد نجيب خلال ألفين وخمسمئة سنة، وكذلك المشرق بأسره، ويكاد يكون المغرب الأقصى واليمن الحالتين المغايرتين الوحيدتين. وهي تفضل إيكال العمل المأجور الخاص، لما يفترض من تبعية سلطوية، إلى أغراب يعاملون كالعبيد. ذلك أنها أدركت أن ممارسة السلطة تفكك اللحمة وتحللها. ولعل هذه الأمثلة الخلدونية قد تناساها أبناء القادة التجريبيين الذين تحدروا إما من قبائل وطوائف قديمة أو من تلك الطائفة المستحدثة التي اسمها الجيش، فسكروا ونسوا وصايا آبائهم وحرصهم. وفي السياق ذاته، فضلت استهلاك موارد أرضها (لا سيما أن لا إمكانية متاحة لها لحصر استخراج نفطها بالقدر الذي يلبي حاجات استثمار اقتصادها، لذا يصبح الخيار بين تخزين الأموال في مصارف الغرب وبورصاته، او شراء أسلحة لا نية لديها ولا قدرة لاستخدامها، او شن حرب على جيرانها وفق إيحاءات محددة، أو تمويل حروب يقودها أصحاب الشأن في أفغانستان وفي سوريا). للإشارة، استوعب لبنان 170 مليار دولار خلال 23 سنة من التحويلات الخارجية الصافية، فول عجز تجارته الخارجية بـ 145 ملياراً واحتفظ بالباقي بشكل احتياطات، وهذا المبلغ يساوي بالقيمة الفعلية مبلغ مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن دواعي استعادة اللحمة أو الحفاظ عليها غداة الحرب تلاقت مع دواعي ترسيخ مشروعية سلطة تشك قبل الناس في مشروعيتها تلاقت لتمويل الاستهلاك وعلى تدمير مادة المجتمع.
هل الوضع ميؤوس؟ طبعاً لا. ما هو المدخل لكسر حلقة اليأس والتدجين والاستتباع؟
اختيار ساحات المواجهة بما يسمح، من ناحية أولى، بتفكيك مفاصل حاسمة من الانتظام القائم، ومن ناحية ثانية، باستعادة الفرد ثقته بقدرته. وهنا أهمية الشرخ الذي أحدثه انطلاق الحراك الشعبي العربي. لكن الشرط الملازم لذلك هو تحقيق النجاحات، أو بعض النجاحات، لكسر حاجزي الخوف واليأس، والمواجهة ممكنة لكنها تلقي على النخب والمثقفين مسؤوليات تاريخية، آمل ان يرتقوا إلى مستواها، وقد يكون هذا اللقاء إحدى ساحات مواجهة هذه المسؤولية.

 

← Back to Selected Articles