Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

في معنى الحوار اللبناني - سعود المولى (الجمهورية)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

لمناسبة قدوم قداسة البابا الى لبنان، يستحسن باللبنانيين ملاقاته عبر تعزيز وحدتهم وتوكيد تمسّكهم بالحوار الاسلامي المسيحي والحوار الوطني اللبناني كسبيل وحيد لحياة حرة كريمة...

يقوم الحوار بين مختلفين متعددين. فإمّا أن نؤمن بالحوار، وهذا يستبطن اعترافاً بالتعدد والاختلاف، وإمّا أن نزعم بأننا متطابقون، فلا تكون لنا حاجة بالحوار.

والاختلاف (التعدد والتنوع) ليس حالة شاذة، بل هو قاعدة تكوينية شاملة، ومتحققة بداهة، في أي اجتماع إنساني. لذلك، فإن السعي إلى إلغائه، بدعوى التوحد والمطابقة، هو سعي عقيم ينمّ عن سوء نية، أو عن سوء تقدير، في أحسن الأحوال. ثمّة أيضاً، نزوع أصيل لدى الناس، وحاجة مستمرة إلى اعتماد "مشتركات" لا تنهض بدونها أي حياة اجتماعية.

من هنا يشكّل التهاون أو التفريط بالمشترك العام سوء تدبير خطير، تترتب عليه نتائج وخيمة عايَشنا- نحن اللبنانيين- نماذج منها في تجربتنا الخاصة، ولا نزال نرى تجليات مماثلة لها في بلدان عدة من حولنا.

ينطلق الحوار إذاً من الاعتراف بالآخر كما هو، شريكاً مختلفاً، مع احترام هذا الاختلاف وفهم أسبابه، واعتباره حافزاً على التكامل لا داعياً إلى الافتراق.

وعليه، فإن الحوار لا يدعو الآخر إلى مغادرة موقعه الطبيعي والتخَلّي عن تطلباته المشروعة، ولا يسعى إلى استيعابه، كما لا يسعى إلى التمَاهي معه.

إن الجهد الحواري ينصَبّ على اكتشاف المساحة المشتركة، وبلورتها، والانطلاق منها مجدداً ومعاً في النظر إلى الأمور، ما يسمح بتحصيل خلاصات جديدة يُبنى عليها تفاهم أكثر عمقاً ومواقف أكثر ايجابية.

الحوار بهذا المعنى يتجاوز خطة "التقريب" ليدخل في مشروع "التضامن" مع الشريك، من خلال اعتبار المشتركات شأنا أساسياً لكل طرف، لا همّاً فائضاً عن اهتماماته الخاصة.

ولا يبلغ الحوار نهاياته المنطقية مع العجز عن ممارسة التضامن.

والحوار الحقيقي يتطلب من المحاور شجاعة في المراجعة ومساءلة الذات، وهو في معناه الأعمق قدرة على رؤية الذات من موقع الآخر، وقدرة على فهم الآخر بملاحظة اعتباراته ومعاييره الخاصة.

إن النجاح في بلورة المشترك، مع القدرة على التزامه، هو عينه النجاح في إقامة "التسوية" على أساس من الوعي والقناعة. وما التسوية سوى عقد ينطوي على أخذ وعطاء وتنازلات متبادلة بالضرورة، فالعقد الاجتماعي الذي يقوم عليه السلم الأهلي في المجتمعات إنما هو في الجوهر تسويات كبرى مركبة تتطلب عناية مستمرة وحسن تدبير من قبل أصحابها، مثلما تتطلب إبداعاً في تجديدها بموازاة مستجدات الحياة.

إن الحوار بحاجة إلى فكر يحترم الفروق والتنوّع ويرى إلى الحقائق المجتمعية ماهيات مركبة ذات وجوه وأبعاد وليست بسيطة مطلقة ذات بعد واحد، إنه فكر يجيد التبادل والتأليف انطلاقاً من توسّط مشرف من غير أن يجنح إلى دمجية كلّانية تلغي المسافات والتخوم، أو يقع في تفريعية انقسامية تقطع العلائق وتعدم التواصل. إن الانغلاق على عصبية واحدة سرعان ما يلغي الديموقراطية بسبب عدم اعترافه بالفوارق والمغايرة.

وقد أظهرت وقائع الحرب اللبنانية أنّ التصادم داخل الجماعة الواحدة الصافية كان أشد فتكاً من تصادم الجماعات المختلفة.

إن مجمل المفاهيم المتصلة بالحوار تحملنا على الاعتقاد بأنه نهج حياة وأسلوب عيش وليس مجرد وسيلة تنتفي الحاجة إليها عند تحقيق غرض معين، لذلك فالحوار هو دائم متجدد يستجيب لبداهة الحياة وضرورات التواصل والاجتماع. وهو إلى ذلك موقف في غاية الإقدام والشجاعة، لا سيما أثناء صعود الغرائز والعصبيات، لأنه يتجنب الهروب إلى الأمام بالتطرف، أو الهروب إلى الوراء بالسلبية والانسحاب التطهري.

ولا ينجو مفهوم الحوار في بلادنا من تحريفات متنوعة تنأى به عن غايته الحقيقية، فيغدو أحياناً شكلاً من أشكال النزاع البارد حين يعتبره البعض مناقشة ومجادلة (استقصاء في محاسبة الآخر ومخاصمته) أو مساجلة (مباراة ومفاخرة وسَعي إلى الغلبة)؛ كما يغدو أحيانا أخرى آلية قاصرة عقيمة حين يعتبره البعض تبادلاً لوجهات النظر بديبلوماسية ماكرة أو هدنة بين وقتين للنزاع، أو إنه أفضل المُتاح مؤقتاً من بين خيارات كلها سيئة. وفي مختلف الأحوال فإن انتفاخ الذات وركوب الرأس يحولان دون التواصل والتبادل، أي إلى الحوار الحقيقي.

نزعم مجدداً أن الحوار بحث دائم عن المشترك بانفتاح وتواضع، على أساس فكرة التسوية واستناداً الى قيم التوسط والاعتدال... أما بدائل الحوار فتعني عملياً الاستمرار في الخصام، وتَحَيّن الفرصة للانقضاض على الآخر، مع ما يرافق ذلك من إضعاف لمقوّمات المجتمع وإهدار لِما راكمته الحياة المدنية والعيش المشترك، وهذا كله يتجاوز في أثره الحاضر والراهن ليمثّل اعتداء على مقومات المستقبل.

لقد طفح الكيل باللبنانيين من سياسات التهديد والوعيد، ومن التخوين والتخويف، ومن العنف والترهيب؛ وليس قدر لبنان أن يكون منذوراً لحروب مستدامة... إنما هو وطن يستحق الحياة الحرة الكريمة كسائر الأوطان... وبالتالي فإن مسؤولية تحصين السلم الأهلي ورعايته تقع على الجميع...

← Back to Selected Articles