بين التراث والبيئة .. قصة موت وحياة - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا جدال في أهمية الذاكرة بالنسبة إلى الفرد كما بالنسبة إلى الشعوب. ولا أحد يستطيع ان ينكر أهمية البحث عن التراث والآثار وحفظهما. يمكن ان يكون السبب الأهم والكافي للبحث هو من أجل حفظ مادة للدرس والبحث، أي كمادة للمعرفة والمزيد من المعرفة. قد نحتاج ان نعلم كيــف عاش من ســبقنا وماذا تركوا لنا من إرث فكري ومعنوي ومادي. كما عليــنا ان نترك لمن يأتي بعدنا «أثرا»، لكي يعرف ماذا فعلنا. إلا إذا كنا نفكر ضمــنا، أننا لا نريد ان يعيش احد من بعدنا لكي لا يعرف ماذا فعلنا بمواردنا. فمن المهم ان يبقى للأجيال القادمة تراث ما... إنما الأهم ان يبقى لهم مقومات الحياة من ماء وتربة صالحة للزراعة وتنوع في الأحياء والكائنات، كضرورة لاستمرار الحياة عامة، وحياة نوعنا الإنساني خاصة.
لكن علم الآثار والبحث عن التراث في العالم وحفظه أخذ مناحي تجارية، تكاد تقضي على معانيه المعرفية الكثيرة. وقد طغت فكرة الاستثمار في التراث، من النواحي التجارية، على فكرة الاستثمار في النواحي الفكرية، فضاع الكثير من المكتشفات من تراث وإرث للشعوب في السوق السوداء، ثم عند بعض الأفراد المتمولين الطامعين والسطحيين.
كما أوقع علم الاركيولوجيا نفسه في فصل غير علمي عن علم الايكولوجيا. ذهبت الاركيولوجيا بعيدا في البحث عن عناوين مثيرة، فيها مفاضلات لا تهدف الى العلم والمعرفة والمساهمة في تحسين شروط الحياة وفهم أسرار الطبيعة ومعرفة كيفية التأقلم معها... بقدر ما تهجس بالسوق واتجاهاته النفعية.
فما الذي يفسر انشغال المهتمين بالتراث، بالبحث عن الأقدم والأول والنادر والثمين والذي ليس من مثله...؟ الإنسان الأول، التمثال الأول، المنحوتة الفريدة، الحرف الأول، المطبعة الأولى والكتاب الأقدم... اهتمامات وادعاءات قد لا يكون لها أثر مهم في جوهر الحياة.
لا نعرف متى حصل هذا الفصل بين علم الآثار وعلم البيئة، وما هي الدوافع الأخرى غير التجارية التي حتمت هذا الفصل؟ هل هي الثورة الصناعية التي سفهت الأدوات القديمة واستبدلتها بالآلات؟ هل هو ذاك التقدم الذي حصل في العلوم الوضعية على حساب العلوم الإنسانية؟
في علم البيئة لا وجود لأول وثان ولا لثمين ولا لفريد... في ظل نظام دائري كل شيء فيه مرتبط بكل شيء، والكل يحتاج إلى الكل من أجل الحياة، ولكل كائن مهما بلغ حجمه ونوعه أهميته الوجودية. وبالتالي يكون هم الايكولوجي، اكتشاف النظام والعلاقات بين الكائنات وفهم الديناميات المؤثرة في الحياة عامة، وفي حياة أي كائن خاصة. مفهوم العلاقة مهم جدا بالنسبة الى الايكولوجي، بينما مفهوم الفرادة أكثر أهمية بالنسبة الى الاركيولوجي. ثم ان على الباحث عن الأثر، او على مكتشف قطعة أثرية ما، ان ينزع عنها أي علاقة بتراب أو زمن حتى يصل الى شكلها الأولي عند الصناعة. بينما يبحث الايكولوجي في الأصل الطبيعي، لا بالأصل المصنوع.
لذلك، فإن اولى مهمات اللجنة الوطنية الجديدة لذاكرة العالم التي عقدت اجتماعها الأول الأسبوع الماضي في اليونسكو للبحث في جدول أعمالها المقبل، ان تعيد الوصل بين علمي الآثار والبيئة، وان تطعم مفاهيمها ومشاريعها من تتبع الأثر الباقي بهدف إبرازه وحفظه الى تتبع الأثر الحي في الميت. وان تضيف الى اهتمامها بالسجل الوطني للتراث المخطوط، سجل ما هو شفهي غير مطبوع أو مخطوط.
وفي ظل التوجهات العالمية الجديدة لتبني تقنيات الطاقات المتجددة كمدخل لإنقاذ الكوكب من التغيرات المناخية الخطيرة، قد تصبح العودة الى التراث لرصد ما انقطع مهمة للغاية، اذ لا يفترض ان يتوقف البحث في التراث بالمدون منه، عبر التركيز على التراث الحي، على الحرف الصغيرة، طرق نحل المعاش وتخزينه، الأدوات وطرق توليد الطاقة، المعتقدات والممارسات... التركيز على التراث الشفهي غير المكتوب، التراث المجهول المؤلف، التراث الذي تبنته الشعوب فأصبح شعبيا، يعبر عن وجدان الجماعة... هو التراث الذي يفترض ان يهمنا كثيرا اليوم، لا من أجل العودة الى الوراء كما يظن كثيرون، وهذا مستحيل بالطبع، بل من أجل المساعدة بالعودة الرمزية الى ما كان والمساعدة في إعادة قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.