أطفال حولة - عباس بيضون (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
في حرب تموز 2006 شاهدنا على الشاشة كثيراً، كثيراً جداً من الأطفال الموتى. كانوا يرفعونهم مغبّرين من التراب الذي يكسوهم بقشرة ناعمة وشفافة هي وحدها التي تشي بموتهم، فيما وجوههم التي تتفجر صحة وجمالاً تكاد تصدح وتناغي. لقد سرقهم الموت وهم في لعبهم وقبل أن ينتبهوا. قطفهم وما زالوا يانعين. كانوا كثيرين جداً حتى خلنا أنهم يموتون أسرع من غيرهم. حتى فكرنا أنهم مقصودون وهالنا أن يكونوا كذلك، إلى أن فسروا لنا أن حروباً كهذه ليست أساساً في الميدان. بل إنها زاحت عن الميدان وصارت جبهاتها المثلى هي المدنيون. انها حروب على المدنيين وفوق المدنيين وعيارها ومقاسها هناك. انها حروب على الأطفال والنساء والشيوخ والمسالمين، وهي تحسم هناك، هناك ينعقد النصر وهناك تتم الهزيمة. لا يتعجب أحد من أن الأطفال يموتون بهذه الكثرة. ليس الأطفال وحدهم، في حرب تموز كان الأطفال والآباء والأجداد، عائلات بثلاثة أجيال، تزول مرة واحدة. لا يتعجب أحد أن الأطفال يموتون بهذه الكثرة، إنهم مقصودون، لا تكفي براءتهم لكي لا يحسبوا في عداد الأعداء. الحرب لم تعد أساساً في الميدان، انتقلت الجبهة إلى المدنيين، الأطفال هناك.
في الحولة وقبل الحولة. رأينا ونرى كثيراً وكثيراً جداً من الأطفال الموتى، نتعجب أن الأطفال يوجدون هناك بهذه الكثرة. في الحولة وفي المعارك، السورية، اجمالاً، لا يتسع الوقت لرفع الأطفال من التراب، لرؤية هذا الغلاف الترابي الذي يغبّرهم، لرؤية وجوههم تتفجر صحة وجمالاً تحت الطلاء الترابي. لا يتسع الوقت حتى لنراهم واحداً واحداً. لنتأمل وجوههم التي لم يدعكها الموت، لم يغضّنها ولم يترك فيها طبعته. الوقت سريع بين معركة ومعركة، بين مقتلة ومقتلة، حتى أننا لا نجد دقيقة لنقضيها مع الموتى. اننا نراهم، الأطفال، مصفوفين على الأرض. مطروحين على الأرض، الكاميرا لا تمر حتى على وجوههم. انهم فقط أجساد، أجساد هامدة، لهم جميعاً القامة ذاتها، نحن لا نلاحظ فرقاً، لهم الأجساد ذاتها تقريباً، لا نرى رؤوسهم وقد يخيل إلينا أن لهم الرؤوس ذاتها. إنها صور أخذت على عجل وغالباً بكاميرا الهاتف المحمول، أخذت على عجل وأرسلت على عجل قبل ان ينقضي الحادث وتتراكم عليه أحداث أخرى. ما همّ الذين أخذوها هو ان يصوروا حجم وفظاعة الكارثة، العدد، العدد وحده المقصود. حتى هنا لا تنجح الكاميرا ففي الغالب لا يكفي الوقت لتجميع الأطفال الموتى في مكان واحد، لا يكفي الوقت ولا تسمح المروءة بأن نجر الأطفال من مراقدهم، لا تسمح بأن نحولهم إلى موضوع للتصوير، لا تسمح بأن نعيد ترتيبهم، أن نمسهم أو نعبث بأجسادهم. لا تسمح المروءة ولا الرأفة ولا الشعور الإنساني، لذا نراهم أعداداً على الأرض، لا نفرق بينهم، لا نرى سوى الموت الذي جمعهم، لا نرى لهم وجوهاً ولا أجساداً خاصة. لا نرى ولا ننبس برغبة في أن نرى، يخجلنا هذا الفضول من أنفسنا، يجعلنا نفكر بأننا هكذا لا نقيم حرمة للموت، حرمة الموت في أن لا نرى سواه وأن تكون الوجوه والأجساد تحت هيبته. نفكر أحيانا أنهم لهذا يقتلونهم، لهذا يفظعون فيهم، لهذا أعملت سكاكينهم في أعناقهم وأجسادهم، لهذا قطعوا حناجرهم. لهذا شرّحوا لحمهم، لكي يمنعونا من أن نرى، لكي نخاف من أن نرى هذه الوجوه التي كانت قبل لحظة تنعش وجودنا، أن نخاف من هذه الوجوه التي طالما جملت عالمنا. أن نخاف من ذكرياتنا عنها، نخاف من ان تتحول الحنجرة المقطوعة واللحم المشرح إلى ختم على وجود أصحابها. ان تغدو كل ما نراه منها، أن تغدو كماً من اللحم لا يليق به الا الموت. انهم يخيفوننا من الطفولة، يخيفوننا من الحياة، ليست هذه سوى عبادة الموت، الفاشية هي تقريباً هذه العبادة. الفاشيون يقتلون ويموتون بسرور، انهم يعبدون المقابر، يعبدون المذابح، المذابح التي يباشرونها أو يتذكرونها. ان لم يجدوا المذابح يتخيلوها. يقررون انهم سليلوها، انها أساس وجودهم، انهم يأتون من المذابح لكي يصنعوها. يأتون من الموت لكي يحققوه.
الزعماء النازيون، هملر مثلاً، كان يقول، اننا نقتل بدون بهجة لكن إذا لم نقتل الرجال، إذا لم نقتل النساء فمن يضمن لنا أنهم لن يلدن أعداء لنا، إذا لم نقتل الأطفال فمن يضمن أنهم لن يصيروا أعداء ولن يقتلونا. محاربو القبائل كانوا يقتلون الأطفال للسبب نفسه، إنهم البذرة التي تنبت أعداء. يمكننا عندئذ ان نتوقف عن التعجب من قتل الأطفال، ان لا نرى في قتلهم مجرد وحشية سافرة، تفظيع وسادية. لن نتساءل بعد ماذا يفعل الأطفال، سنرى ان الأطفال في عقل الاجتثاث الفاشي خطرون، بل ربما كانوا الأخطر، انهم خميرة الثأر وذخيرة المستقبل. ان تركناهم أحياء لا نضمن مستقبلنا، سنكون رهائنه. هكذا يقول الفاشيون المفتونون بلعبة التاريخ، انهم يريدونها كاملة لهم. هكذا نفهم ماذا فعل الشبيحة بمن وجدوهم في المنازل من أهل الحولة. كان محاربو القبائل يقطعون أيدي الأطفال لكي لا تجرد سلاحاً عليهم، هذا عهد والآن عهد آخر، الآن الأطفال هم بذرة العداء والحرب لم تعد بالأيدي. الأطفال ليسوا مجرد عاجزين وأبرياء. انهم أعداء وضمانة المستقبل تقضي بقتلهم، ربما أولاً. الاجتثاث وحده الضمانة والاجتثاث يلحق البذور، بل ربما يقدمها. الشبيحة الذين قتلوا الأطفال بحقد لا مثيل له، كانوا يقتلون الأصل والبذرة والأساس. قد نتعجّب من أنهم فعلوا ذلك. قد نتعجب من أنهم وجدوا القلب ليفعلوه. لكن الاجتثاث ولو كان خيالياً هو حرب الفاشية، القتل على ثلاثة أجيال هو قانون الفاشية. الأطفال يخيفون الفاشيين، ربما أكثر من آبائهم، هؤلاء يضمنون الحاضر لكن الخطر يأتي من المستقبل. الفاشيون يخافون من المستقبل، يعرفون انه يخبئ لهم الثأر العظيم، يخبئ لهم حساباً قد يكون من جنس أفعالهم. غالباً ما يتراءى لهم أنهم بمباركة من الماضي ينبغي أن يستولوا على التاريخ وأن يضمنوا المستقبل. المستقبل العنصري والمستقبل القومي يعني أكثر من الاستيلاء على الحاضر، الهدف هو الاستيلاء على التاريخ والمستقبل ركنه، بركة الماضي تجد عوضاً في المستقبل. لا يملك الشبيحة بلاغة هملر بالطبع، لكنهم يملكون هواجسه ومخيلته الاجتثاثية، إنهم يدخلون إلى البلدة ليتركوها يباباً، يباباً من كل شيء، من الناس بخاصة. لا يحتاج الشبيحة إلى قمصان سود ولا إلى صليب معقوف ولا إلى مشية عسكرية، انهم يتسللون من وراء الجنود ومن أمامهم. إنهم فرق الموت، عملهم هو فقط ان يقتلوا. عليهم أن يجتثوا وأن يبيدوا، ان يقتلعوا الخصم من جذوره، ان يحرقوا بذرته ويستأصلوا بالكامل عنصره. من اللحظة الأولى كان الشبيحة حاضرون، ربما من ذلك الحين بدأوا في قتل الأطفال، الأطفال الذين بإبادتهم لا ينعقد النصر على جبهة المستقبل وحدها بل على جبهة الحاضر أيضاً، من يخسر المستقبل يخسر الحاضر معه. في الأرجنتين تمت مصادرة الأطفال وتسليمهم إلى ضباط ليتربوا في رعايتهم فيكبرون دعائم للنظام، في الانكشارية العثمانية كانوا يفعلون الشيء نفسه، انها حيلة على المستقبل. الشبيحة لا يملكون المدى نفسه، لا في الزمان ولا في المكان، هم مضطرون لأكثر الطرق بدائية، إلى شيء يشبه جز فروات الرؤوس، ربما لديهم الخيال نفسه الذي حمل المستوطنين على إبادة السكان الأصليين. لكنهم ايضاً لا يملكون المدى نفسه، لا في الزمان ولا في المكان هذه المرة. المدى أضيق بكثير ومهما بدا مقفلاً او مسدوداً فإن عجلات الواقع لن تعود إلى الوراء. مهما طال الوقت فإن ما فات لن يتجدد.