جنبلاط 2012 جنبلاط 2005 - نصير الاسعد (الجمهورية)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
المسار السياسيّ لرئيس "الحزب التقدّمي الإشتراكيّ" وليد جنبلاط يتطلّب توقّفاً في ضوء المواقف التي يتّخذها والحركة السياسيّة التي يقوم بها.
بينَ 14 شباط 2005 يوم استشهاد الرئيس رفيق الحريري و 14 آذار 2005 يوم انتفاضة الاستقلال اللبناني الثاني، كان وليد جنبلاط في قيادة الحركة التي وضعَت في رأس قائمة أهدافها إخراج الجيش السوريّ من لبنان وإسقاط نظام الوصاية. وفي العمق، فإنّ المشهد المليونيّ العابر للطوائف والمناطق الذي هتف للسيادة والاستقلال والحرّية، عزّز اقتناع جنبلاط بأنّ ثمّة "رابطة" وطنيّة جامعة – أو "هويّة" جامعة – يؤسّس الاستقلال من سوريّا وعنها لولادتها ولقدرتها على أن تنقلَ لبنان إلى مرحلة "الإختلاط" بعد عقود من ثنائيّة التعايش – الإحتراب بينَ الطوائف. والحقّ يُقال إنّ هذا الوعي الجنبلاطيّ لأهمّية تشكّل تلك الرابطة أو الهويّة الجامعة الجديدة كانَ سابقاً على جريمة 14 شباط. فبعد الانتخابات النيابيّة في العام 2000، سارعَ جنبلاط إلى التقاطع مع نداء المطارنة الموارنة طارحاً "إعادة الانتشار السوريّ حتّى البقاع"، وهوَ كان في العام 2001 شريكاً مع البطريرك المارونيّ في مصالحة الجبل. وكلا الأمرين، الدعوة إلى "إعادة الانتشار" ثمّ المصالحة، عبّرا عن اقتناع بأنّ الرابطة الوطنيّة الجامعة تنهضُ على مجموعة مِن الأفكار والقيم، في مقدّمها الصراع ضدّ "العقدة" السوريّة التاريخيّة من الكيان اللبناني، والصراع ضدّ النظام في سوريّا الذي ترجم "العقدة" استتباعاً للبنان وتدميراً لحياته الوطنيّة وإدارةً للحروب الداخليّة فيه.
إستمرّ جنبلاط على اقتناعه الراسخ بـ"الهويّة" الجديدة المولودة، غير أنّ البلد كانَ تزامُناً يشهد منذ منتصف 2005، هجوماً مضادّاً على المولود المتحقّق. هجوم مضادّ تولّاه ميشال عون العائد من باريس حاقداً على القوى الاستقلاليّة ومتصالحاً مع النظام السوريّ بل ملتزماً معه بدفتر شروط. هجوم مضادّ عكسته المسمّاة "وثيقة تفاهم" بين "حزب الله" وعون، بما هي الردّ على الرابطة الجامعة بـ"ثنائيّة طائفيّة". وهجوم مضادّ مضى "حزب الله" فيه أثناء حرب تمّوز 2006 وبعدَها حتّى اليوم لفرض ما يمكن تسميته مجازاً "نموذجاً شيعيّاً خاصاً" ذا وجوه متعدّدة. هجوم مضادّ أداره نظام الأسد للعودة إلى لبنان، وهو النظام الذي لا يتحكّم بلبنان إلّا متى مزّق هويّته الجامعة. ولم تكن أهداف الهجوم المضاد خافيةً، لا سيّما تدمير الرابطة المولودة وإعادة البلد إلى مربّعات طائفيّة متنابذة لتمكين النظام السوري من العودة إلى إدارة لبنان.
شكّل أيّار 2008 مفصلاً في الانقلاب على ما تراكم بين 2000
و2005 ثمّ بعد 2005. لم يتخلَّ وليد جنبلاط عن وعيه "ضدّ" النظام السوريّ، لكنّه اضطرّ إلى السير في ما سمّاها "حماية الطائفة"، مدفوعاً بذلك المناخ السائد وبالخوف المشروع على طائفته، في ظلّ مشهد يفيد أنّ البلد عاد إلى التفكّك تزامُناً مع العودة الأسديّة، وأنّ 14 آذار بدأت بالتحوّل تدريجاً من حركة عابرة إلى مجرّد مكوّنات "متجاورة". فكان افتراقه "الشهير" عن 14 آذار في العام 2009 الذي قاده إلى مواقف متضادّة مع 14 آذار.
في 15 آذار 2011 تفجّرت الثورة السوريّة ضدّ نظام الأسد الديكتاتوريّ الفاشي.
بإزاء هذا المنعطف الاستراتيجيّ بالنسبة إلى سوريّا والمنطقة، لكن بالنسبة إلى لبنان بشكل كبير، قرّر رئيس "التقدّميّ" دعم التغيير السوريّ.
وأغلب الظنّ أنّ موقف جنبلاط ليس مجرّد موقف أخلاقيّ إنسانيّ سياسيّ ديموقراطي بجانب الشعب السوري. إنّ هذا الموقف هو ما يجمع بين الصراع ضدّ النظام السوريّ في لبنان والصراع ضدّ النظام السوريّ في سوريّا. إنّه الموقف الذي في 2011 – 2012 يستكمل خيار 2000 – 2008. إنّه الموقف الذي يرى جنبلاط به أنّ الانتهاء من النظام السوريّ في لبنان وسوريّا معاً، ليس فقط يشكّل قضيّة لبنانيّة – سوريّة مشتركة، بل هو مكوّن أساسيّ من مكوّنات استئناف تجديد الرابطة – أو الهوية – الوطنية الجامعة التي تعيد الانتقال باللبنانيين من المربّعات الطائفيّة المتناحرة إلى الاختلاط.
إنّ السطور السابقة التي تقرأ بسرعة مسار وليد جنبلاط خلال 12 عاماً، تهدف – في ما تهدف إليه – إلى التذكير بأنّ المسألة السوريّة – إذا جاز التعبير – هي بالفعل، معرّفةً ببعديَها اللبنانيّ (الإستقلال والحرّية) والسوريّ (الكرامة والديموقراطيّة) مكوّن رئيس للرابطة الوطنيّة اللبنانية، بالصلة مع الارتباط بينَ لبنان وسوريّا، وذلك ما يميّز جنبلاط حتّى عن عديدين في 14 آذار نفسها. أي إنّ وعي جنبلاط هذا يميّزه عن الحكومة التي "لا يزال" يشارك فيها لكن يميّزه أيضاً عن سياسة "بعض" 14 آذار في "النأي عن النفس"!.
إنّ جنبلاط يستعيد "الخيط الرابط" بين المراحل... وها هو يعيد فتح البوّابات العربيّة والإقليميّة والدوليّة أمامه.