"بيت من حجر" - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
توفي انطوني شديد قبل أشهر من صدور كتابه "بيت من حجر"(1). مات أكثر الصحافيين الاميركيين شجاعة في نوبة ربو، وهو عائد على ظهر حصان من سوريا إلى تركيا. منها، كان ينوي العودة إلى لبنان، أرض الأجداد الذين هاجروا قرابة العام 1920 الى اوكلاهوما. يومها بحث جده لأمه، إسبر سمارة، عن بلد لا قتل فيه، ولا خوف على حياة ابنه وكرامة ابنتيه. بلد له مستقبل وليس "على شفير الهاوية". ورأى الناس يهاجرون الى اميركا، فاتخذ قراره.
العام 2011 يكتب سمير فرنجيه في "رحلة الى اقاصي العنف"(2) ان "العنف اليومي هو ايضا مرارة الفراق وطريق الارتحال بلا عودة، ربما. هو للكبار خسارة استقرار عائلي ومكانة اجتماعية، وللصغار الخشية أن يظلوا غرباء حيث حلوا". يعود انطوني شديد الى اوراق وشهادات اوائل القرن الماضي، ويغرف سمير فرنجيه من منتصف القرن حتى اليوم، ليقدم كلاهما صورة بلا ملاطفة او تشذيب للعرق المعروف باللبنانيين.
يتعامل انطوني شديد، نائل جائزة "بوليتزر" للصحافة مرتين وهو بعد دون الاربعين، مع العودة الى مرج عيون (عيون المياه) والى بيت اسبر سمارة، كما تعامل مع موضوعاته الصحافية في مصر وبغداد وسوريا. التاريخ أحداث، والناس بشر. والبشر طباع وضعف وحكايات. لم يعد الى بلدة الاهل بدافع رومانسي مثل شفيق معلوف ورشيد سليم الخوري، بل بمهنية عالية وشغف بالتاريخ والتفاصيل، وخصوصا سيرة الناس العاديين، الذين هم موضوعه الاخباري الاول. هم الذين اعطوه "بوليتزر" مرتين، ذاك الذي توفي عن 39 عاما، في ارض حرب اخرى، على بعد 12 الف كيلومتر من أوكلاهوما.
لا يلتقي وريث بيت الحجر، الواقع في حي السرايا، مشاهير مرجعيون، ذكرى ألبرت حوراني، مثلا، او السرايا التي اعلنت فيها حكومة الملك فيصل الاول، بل "معلّم" البلاط الذي سوف يرمم البيت، والجارة التي تزجره اول وصوله لأنه سوف يستأجر عند جارها. واستاذ المدرسة الذي تقاعد الى عزلته وكؤوس "البلاك لايبل"، يغفو على طعمها وعلى صوت افلام الفيديو العتيقة، واصوات الصمت في ليل مرجعيون، التي لم يعد فيها سوى 800 نسمة. كانت مدينة على تقاطع فلسطين وسوريا ولبنان، فأصبحت خوفا وعزلة على حدود اسرائيل.
لا اسماء مستعارة في "ريبورتاج" انطوني شديد المطرد. كل الاشياء وكل الاسماء. لا ابطال، بل عاديون ومهزومون. مهانون ومذلون كما في عنوان دوستويفسكي، الذي علّم الصحافيين والكتّاب والرواة واطباء النفس فن التفاصيل وتدوين لون الكنبة الباهتة ووصف عقارب ساعة بطرسبرج وطراز قبعة ايفان، الاكبر بين الاخوة كارامازوف.
يناقض انطوني شديد الصحافي والروائي الآخر امين معلوف. ففي "بدايات" يسافر امين حتى كوبا لكي يبحث في ارشيفها الوطني عن نهاية غير غامضة، وخالية من علامات الاستفهام التي احاطت بوفاة عمه في حادث سيارة سقطت عن جسر قرب هافانا. جده واعمامه وجدته كانوا من السعاة في الارض، جادين ومجتهدين ولهم الاخلاق البروتستانتية المستقيمة والمتزمتة. لا، ليس هكذا جد انطوني شديد. ففي بقالته وضع الى جانبه مكنسة يضيف سعرها الى فاتورة الشاري. فإذا انتبه هذا الى الامر، اعتذر له قائلا: له! له! لقد نسيت المكنسة! اضافت المكنسة ارباحا كثيرة الى مدخول الدكان.
كان خالي، قيصر يوسف سلامة، حاذقا و"شاطرا" مثل جد انطوني شديد. وذات يوم شكا اليه مهاجر آخر من القرية من انه شارف الافلاس لأن احدا لا يمر بالدكان. تدخل قيصر: عرض لافتة "للبيع" ودعا جميع اهل القرية في فلنت، ميتشيغان، الى الوقوف في صفوف طويلة والتظاهر بالشراء. بيع الدكان في اليوم نفسه، وفي اليوم التالي انتقلت الملكية، وكذلك الافلاس، الى الشاري.
أفلست شطارة قيصر وحذاقته ايضا بعد حين. وعاد الى بتدين اللقش ليموت مع ذكرياته وعصاه. كلها، ذكرياته، كانت من نوع الاقبال الشديد على ذلك الدكان.
واجه انطوني شديد جميع انواع الشطارة، ولكن هنا وليس في المهجر. لم يروِ له احد ان رجلا من بلدته سهّل لرجل آخر ان يدعي انه الرئيس سليمان فرنجيه. استقبل "الرئيس فرنجيه" في قصر قريب من بعبدا وفدا من الكونغرس الاميركي وبحث معه في "سبل التعاون". سر الوفد بالاستقبال الحافل. ولكن في المساء خطر لأحد الاعضاء ان يشاهد استقبالات القصر الجمهوري، فلاحظ ان الرئيس اشيب الشعر ويضع نظارتين، فاتصل بسفارته. رحم الله الرئيس فرنجيه، لم يكن يحب المزاح. ورحم الله الشريكين فقد كان عقابهما مستحقا.
عن إسبر سمارة العام 1920 يكتب انطوني شديد هذه اللوحة: "كان إسبر يعرف مواضيع الجدل. لقد سمع جيرانه يتداولون ولاءاتهم ويعلنونها: الى القوميين العرب، الى الفرنسيين، الى روسيا الغارقة في الاضطراب الثوري فيما هي تسلم عالم الارثوذكسية الى طلائع الاممية الشيوعية. قال اسبر لعائلته انه حتى لو تم تجنب الحرب والثورة، فإن لبنان بلد لا مستقبل له. كانت اميركا توفر السلم والفرص وكلاهما لا وجود له في الارض التي امضى فيها عمره".
يكتب سمير فرنجيه: “العنف هو الخشية ألا تعود قادرا على تقاسم القيم الانسانية ذاتها مع مواطنيك، والخوف من رؤية الجريمة في المجتمع وقد افلتت من عقالها. والحرب هي انعدام جودة العيش في بلد جرّد من حرية التعبير".
سمير فرنجيه زاول ايضا الصحافة قبل ان ينخرط نهائيا في السياسة. وكان، مع امين معلوف، في صفوف اليسار الذي يدعو الى انهاء النظام القائم من دون هدم الميثاق. وعندما دعا مع بعض الرفاق الى حكومة برئاسة تقي الدين الصلح، بتأييد من وليد جنبلاط، رأى ان اصحاب القوة يرفضون اي رجل ميثاقي. هاجر امين معلوف الى باريس تاركا خلفه احلام الفتى، فيما انسحب سمير فرنجيه رويدا الى صف رفيق الحريري وسعيه الى انتشال البلد من العنف، واقناع سوريا بأن خلاصها في انتهاج نظام اقتصادي حرّ وعصري.
يروي الدكتور كرم كرم انه كان في الوفد الوزاري مع رفيق الحريري في زيارة للصين. ولم يصدق اذنيه وهو يسمع الرئيس الصيني يقول لرئيس وزراء لبنان: "علمنا ان لكم تجربة مهمة في عالم المال، فلا ادري إن كان في الامكان ان نفيد منها هنا في الصين"!
أعاد المهاجرون ترميم لبنان. معظم بيوت الحجر ذات سقوف القرميد (الكلمة تركية الاصل) بناها مسافرو الهجرة. جاء فخر الدين بالتصاميم من منفاه في توسكانا، وترك لهم ان يسافروا ويعمروا. بعضهم عاد وليس معه سوى كلفة "حارة القرميد". ومنهم من عمّرها ولم يعد. حارة إسبر سمارة يملكها عشرات الورثة ولم تكن حصة انطوني شديد منها سوى ¾ 3 لكنه اتكل على ان لا احد سواه يرغب في الترميم او في العودة. فمن يريد العودة الى منزل نسي في حديقته صاروخ اسرائيلي؟
دخل ذلك في كلفة "الترميم". لكن "المعلم" الذي اتفق معه على بدء العمل يوم الاثنين، لم يأت هذا الاثنين ولا الاثانين التي بعده. مشغول في ورشة في البقاع. لو كان الصحافي الاميركي يدرك ان هذه حكاية كل لبناني مع كل "معلم"، بناءً او ترميماً او باباً خشبياً، لما تعب وأتعب.
ليس في سرد حكاية "بيت من حجر" غضب او حنق، لكن ايقاعه حزين ومتوقع. حتى القادم من اوكلاهوما يدخل الحياة على الطريقة اللبنانية بلا شعور بالمفاجأة، وانها مثل الحياة على الطريقة الايطالية ولكن من دون فيلليني، ومن دون ظرف فيتوريو دوسيكا. يسأل قريب انطوني شديد، احد ابناء خالة جدته، إن كان في الامكان ان يصلح بيته على حسابه ما دامت الورشة في الجوار. يحاول آخر ان يعلمه الطريقة المثلى لكبس الزيتون ولفّ سجائر الحشيشة. ثمة شخصية نادرة الاحترام في البلدة: الطبيب الذي انشأ مستشفى مجانيا لمعالجة الناس. لكن جهة نافذة تتهمه "بالتعامل مع العدو" لكي تعيّن مكانه الطبيب الذي يخصها (الكتاب يذكر الاسماء). وليس الامر مهما في اي حال. فالطبيب الطيب يزداد شحوبا وينقص وزنا ويستعد لموعده في هدوء. ذلك الهدوء الذي يسود مرجعيون، في حارات اليأس وبيوت الانزواء وشوارع انتظار اللاشيء.
كأنها لبنان مصغّر، مهجور، ومعقّد ومعذّب ويرفع علمه الموحِّد الحقيقي: علم اليأس والرعب من مدى عطب البلد وعفن السياسة. "مافيوية" في كل مكان، يسمع انطوني شديد. ومافيات في كل شيء. والا "المعلم ابو جان" الذي يعد بانتهاء الترميم قبل نهاية العمر. او نهاية الوطن. وعليك ان تناديه "المعلم ابو جان" كما تنادي البقال في صقلية "سنيوري دوتوري". السنيور الدكتور في صقلية يوقّع بابهامه.
حتى النهاية التي لم يتسن لانطوني شديد ان يدونها محزنة مثل رحلاته بين بيروت ومرجعيون. بين بيت سمارة الذي يوحي بالثروة الماضية وبقايا منزل شديد الذي لا يوحي بشيء. ليس حتى بأنه كان بيتاً.
رحلة في التاريخ، ما بين حجارة مرجعيون ومهاجرها. "الحدث" الذي غطاه انطوني شديد بكل هدوء ومن دون عجلة. بلاط من هنا وبلاط من هناك. جاء مبكرا ليكتب قصة الشرق الاوسط فاكتشف ان الشرق الاوسط رواية لا نهاية لها، مثل الف ليلة وليلة. الطريقة الوحيدة لابعاد سيف شهريار استبدلها برواية عن مرجعيون. كأنها ملحمة الشرق الاوسط