كتابة التاريخ - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
التاريخ درس وعبء، لا يمكن لاحد ان ينكره او ان يتجنبه، لا سيما انه، بعكس الشائع، يعيد نفسه مرارا وتكرارا بطريقة لا تخلو من السخرية من الذين يزعمون انهم يحفظونه ويأخذون العبر منه.
التاريخ في لبنان اكثر من عبء، هو اشبه بعبوة ناسفة، معدة للتفجير في اي وقت يقرر احد استعادة فصوله المكتوبة او المنقولة، وتحويلها الى كتاب، على نحو ما فعل مؤرخون كثيرون، لم تصبح مؤلفات اي منهم على الرغم من موضوعيتها ونزاهتها وجرأتها نصا رسميا يحظى بالإجماع الوطني او بما يقترب منه، وظلت اشبه بمغامرات فردية، تحوز استحسان بعض الطوائف والجماعات والأحزاب، وتثير حفيظة البعض الآخر واعتراضه.
لهذا السبب، لم يكتب تاريخ لبنان الحديث، الذي يمكن ان يعتمد في النظام التعليمي، ويهدف الى انتاج عصبية وطنية جامعة، كما هي الحال في جميع دول العالم التي كتبت تاريخها وحملته الى أجيالها المتعاقبة، من دون ان ينفي ان التاريخ اللبناني هو عبارة عن سلسلة من الحروب الاهلية التي كان لها أبطالها وعملاؤها وضحاياها.
بعد النهاية الرسمية للحرب الاهلية الاخيرة التي امتدت بين العامين ١٩٧٥ و١٩٩٠، وما زال المجتمع اللبناني يدفع أثمانها، ويترقب تجددها برموز وأدوات جديدة، جرت محاولات عديدة لوضع كتاب موحد للتاريخ المدرسي (الوطني) كانت آخرها مع وزير التربية السابق الدكتور حسن منيمنة، الذي ضم ممثلين عن مختلف الطوائف والمذاهب والاحزاب، توصلت الى نص متوازن، سرعان ما تبين انه سابق لاوانه، وكان عبارة عن مسعى أكاديمي لمصالحة وطنية مبكرة، لم تتم إلا في بعدها الاسلامي المسيحي الذي صار بالفعل من الماضي، لكنه لم يصبح مادة للتدوين.
ما ان صار الكتاب جاهزا حتى تلاحقت الاعتراضات والمطالبات بتعديل بعض النصوص، الى ان سقط المشروع برمته، وكانت تظاهرة امس الاول السبت امام السرايا من قبل حزبي الكتائب والوطنيين الاحرار وما تخللها من عنف غير مبرر بأي حال من الاحوال، إيذانا بان التاريخ اللبناني ما زال عبوة ناسفة يمكن ان تنفجر في اي لحظة، وبأن المجتمع اللبناني ليس جاهزا لتفكيكها.
لم يكن العنف هو الدليل. التحدي اكبر من ان ينسب الى صدام عادي بين السلطة والمعارضة، او حتى الى صراع اسلامي مسيحي: كتاب التاريخ الموحد، يستدعي من حيث المبدأ التصالح مع وقائعه والتساهل مع رموزه وألغازه... ويغفر في الوقت نفسه لكل طائفة ان تحفظ تاريخها الخاص وتتناقله، كجزء من ثقافتها وطقوسها، وكتعبير عن تعدد المجتمع وتنوعه.
المهمة ليست سهلة، لكنها جزء من الاستعداد لمواجهة التحدي المقبل، الذي لن يكون فيه المسيحيون سوى شهود.