ماذا بعد الالتباس والمناورة؟ - طارق متري (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ما ان خرجنا من التباس حتى دخلنا في التباس آخر. فهناك من نسب الى الارثوذكس، تعميماً او تشويهاً، فكرة لفئة منهم تدعو الى اختيار المنتمين الى طائفة بعينها من يمثلهم في مجلس النواب، وهو ما يجعل الطوائف بمنزلة اجسام انتخابية منفصلة. وتكررت تسمية اقتراح "اللقاء الارثوذكسي" مشروع الارثوذكس. وبطريقة غير مقصودة او نصف واعية اخذ الكل بجريرة البعض. واوحى الخلط، وان غير متعمد، ان مجموعة من السياسيين الارثوذكس، واكثرهم معروف، تعبر عن موقف يؤيده عموم الارثوذكس. وعلى هذا النحو تعدت المسألة غياب الدقة في انتقاء الكلمات، وهو مألوف في حياتنا السياسية، الى افتراضات لا اساس لها وتخيلات تحمل الواقع ما لا يحتمل. حتى ان نفرا من الناس اخذه التوهم الى القول ان ما اصاب المشاعر المسيحية من خيبات غيرت القناعات بلغ مبلغاً جعل من الارثوذكس، الذين حسبوا اكثر انفتاحا من سواهم، اكثر بوحاً بالمخاوف واشد انغلاقاً!
اما الالتباس الثاني فيكمن في اعتماد اللقاء الماروني اقتراح "اللقاء الارثوذكسي" او تفضيله او الانطلاق منه. ففي ظاهر الامر، لم تعد فكرة الاجسام الانتخابية المنفصلة، ومن وراءها الطوائف المنطوية على ذواتها. غير ان الاستحسان المذكور لا يخلو بدوره من الالتباس. اذ يقول عدد من المشاركين في اجتماع بكركي، تصريحاً او تلميحا او وشوشة في آذان اصدقائهم، ان في الامر شيئا من المناورة وان المزايدة لم تغب عن مناقشة صيغ القانون الانتخابي. بعبارة اخرى، نشهد جنوحا الى المزايدة عند تدارس المسيحيين شؤونهم المسيحية واستسهالا للمناورة، ومعها المسايرة، عندما يخاطبون سياسيي الطوائف الاخرى. بالطبع، ليس ازدواج اللغة جديداً ولا مستغرباً، فهو شائع في السياسة اللبنانية، لكن شيوعه لا يقلل من اضراره ولا يعفي من واجب نقده من غير تردد ولا خجل. وادهى ما فيه ان حديث المتمرسين به عن مشاورة "الشركاء" او ممثلي "المكونات" اللبنانية يعرفون حقيقة مواقف المسلمين من اقتراحهم الانتخابي، ولو استنسبوا التريث والملاطفة اللفظية و"تفهم الهواجس".
ابعد من كل ذلك، يثير الاقتراح الذي اعده "اللقاء الارثوذكسي" واستساغه "اللقاء الماروني" اعتراضاً قويا في اوساط كثيرة، ارثوذكسية ومارونية، ومعها تساؤلات عن دوافعه لمسألتي الطوائف والمواطنة ولمعنى العيش معاً، او العيش المشترك كما يحلو للكثيرين ترداده. فالكلام في القانون الانتخابي هو اقرب الى التورية. فالموضوع الذي يبطنه هو النظام السياسي الذي بات، في واقع الحال، مأزوما. فاذا كان الدافع وراء القانون المقترح تغيير النظام المنبثق جزئياً من اتفاق الطائف، لماذا لا يعلن الامر صراحة. والصراحة، في هذه الحالة وفي كل حالة، محمودة، لانها تدخلنا الى النقاش الفعلي. والنقاش الفعلي لا يمكن ان يتجاهل البحث في معنى الانتماء الطائفي ومستوياته، وان المنطق الضمني للقانون الانتخابي يحسب الطوائف كيانات سياسية محض، كما يشي بها وصفها، بالمكونات التي لم تكون شيئا معا. ولا تكون عندئذ كما كانت، اي جماعات دينية واجتماعية وثقافية متشاركة في السلطة السياسية ويشترط تفاعلها ممارسة للسياسة لا تحصر بكليتها في نطاق الطائفة. اكثر من ذلك، لا يخفى على احد من يرى الطوائف في مرآة القانون الانتخابي المقترح يرى البلد بصورة فيديرالية طوائف، افصح عن رؤياه ام لم يفصح، وهو ما يناقض اتفاق الطائف، بما فيه المناصفة التي ينص عليها، ويخالف وعي المسيحيين التاريخي، لانفسهم في علاقتهم بلبنان وفي ارتضائهم ميثاقه الوطني التأسيسي.
ولا ينظر القانون المقترح الى اللبنانيين بوصفهم ذوي هوية مزدوجة، اي مواطنين لبنانيين واعضاء في جماعات طائفية خاصة، تتأرجح بين حدي التوتر والمصالحة، بل يختزلهم في هوية واحدة ثابتة لا تتبدل. وبحجة عدم تطبيق اتفاق الطائف كله، يخرج عن فلسفته التي تقوم على الاعتراف بالهوية المزدوجة. وهو ما يظهر في القول بالمجلسين، واحد يمثل اللبنانيين بوصفهم مواطنين متساوين، وآخر يمثلهم بوصفهم ابناء طوائف لها مميزات واحاسيس خاصة. وفي هذا المجال لم يخترع اتفاق الطائف البارود، فاللبنانيون، مهما اعتزوا بفرادتهم او ضخموها، ليسوا مجتمعا لا شبيه له في العالم. ولا يضيرهم ان يتعلموا من تجارب سواهم. ففي عدد من المجتمعات المتنوعة او المركبة انظمة انتخابية وسياسية توفق بين المساواة في المواطنة والحق في الخصوصية، فيدار التعدد عن طريق المجلسين.
من جهة اخرى، يتطلب البحث في نظام يقوم على اجسام انتخابية منفصلة اطلاعاً جاداً على خبرات دول اعتمدته، واهمها افريقيا الجنوبية قبل سقوط الآبارتهايد، وباكستان والجمهورية الاسلامية الايرانية. صحيح ان المقارنة، ككل مقارنة، لا تجيب عن التساؤلات كلها، الا انها تلقي ضوءاً عليها، ولا سيما في تقويم تاثيرات هذه الصيغة الانتخابية على العلاقات بين الجماعات في البلد الواحد من حيث العزلة التي تضربها على الصغيرة منها والحد من دورها في الحياة العامة.
تبقى كلمة عن "الهواجس". فوجود الهواجس في زمن التحولات العربية المذهلة والمفتوحة على غير احتمال لا يبرر الخفة في اسقاط حالة عربية على اخرى، وبعض الحالات العربية على الحالة اللبنانية. ولعل المعالجة المقترحة بواسطة النظام الانتخابي، وان كشفت عن قلق حقيقي، لا تسهم في تبديده، خصوصاً ان لا فرصة فعلية لنجاحها. وان الالتباسات والمزايدات والمناورات لا تزيل المخاوف، بل في استطاعتها ان تستعجل تحقيق ما يخشاه اصحابها.