خط التماس العراقي - ساطع نورالدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
اما أن الخطة الإيرانية قد بدأت او أن الشخصية العراقية قد تجلت في واحدة من أقسى صورها وأوضحها. ليس هناك تفسير ثالث لما يجري في العراق اليوم من أزمة سياسية سرعان ما تحولت الى مشكلة أمنية خطيرة.
يمكن نسبة الحريق العراقي الذي اشتعل في الايام القليلة الماضية الى الاحتلال الأميركي وما خلّفه وراءه من دولة مدمَّرة ومجتمع متهالك. وفي ذلك مغالطة تاريخية تتجاهل أن موقعة الجمل جرت في العراق بالذات، قبل ١٣٩٧ سنة بالتمام والكمال، وما زالت أصداؤها تتردد في الأرجاء العراقية والعربية والإسلامية. كما أن في تلك الإحالة الى الاميركيين مفارقة مثيرة هي الحنين الى صدام حسين والبعث.
لم تكن اميركا تقوم بمهمة انسانية او خيرية في العراق في السنوات الثماني الماضية. لكنها احتلت بلدا خرابا وشعبا ممزقا، وهي خرجت منه لهذا السبب بالذات، بالرغم من مغريات البقاء ونداءاته الصادرة عن جميع القوى السياسية العراقية بما فيها الاسلامية السنية، بل وحتى تنظيم القاعدة نفسه... فضلا عن التمنيات التي عبّرت عنها غالبية الدول المجاورة للعراق.
كان من الطبيعي جدا ان تنفجر أزمة العراق في اعقاب خروج آخر جندي اميركي مقاتل. فالقوى السياسية العراقية كلها كانت تعد نفسها لاختبار موقعها ودورها في حصر الارث العراقي المتروك واعادة توزيعه على اسس جديدة. لكن المفاجأة هي ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي هو الذي فجّر الازمة مع ارفع ممثلين للسنة في السلطة، ودفعها الى حد تهديد العملية السياسية برمّتها وما تعنيه من استقطاب السنة ومن تواطؤ مع الكرد... وفتح الباب لتوتر امني خطير لاحت بوادره امس، في تفجيرات بغداد المروعة.
كان يمكن للازمة ان تنتظر حتى وصول الجنود الأميركيين الى منازلهم، مثلما كان يمكن ان تدار بطريقة مختلفة لا تضع العراق كله على حافة الهاوية، ولا تجبر خصوم المالكي على مغادرة بغداد، خوفا من مذكرة اعتقال صدرت بحق نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي او مذكرة سحب الثقة بنائب رئيس الحكومة او مذكرة انذار بحق رئيس اكبر كتلة نيابية... في واحدة من أسوأ الازمات السياسية وأغربها، لأنها لا تترك مجالا لأي حل سياسي.
هي شخصية المالكي وطريقته في الحكم التي سبق أن استفزّت الكثيرين من حلفائه وشركائه الشيعة، التي سبق أن اثارت غضب جميع العواصم التي تعاملت معه، وتقاسمت اختياره للمنصب، لا سيما واشنطن وطهران، اللتين يفرض عليهما رئيس الوزراء العراقي، او ربما يستدعيهما للتوسط وتجديد التفاهم بينهما على شخصه، من دون أن يدرك أن ما كان صالحا عند تعيينه العام الماضي لم يعد صالحا اليوم!
هي الشخصية العراقية التقليدية التي تجافي السياسة وتنفيها، ولا تخوض فيها الا اذا كانت اشبه بعملية انتحارية... تفسح المجال لتفسيرها بنظريات تقليدية عن انفجار خط التماس التاريخي بين السنة والشيعة، وبين العرب وايران... وبينهم سوريا.