مشهد الانتخابات الأميركية - ناصيف حتي (المستقبل)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
كيف يبدو مشهد الحملة الرئاسية الأميركية التي أخذت حماوتها بالظهور على مستوى التنافس الشديد بين المرشحين الجمهوريين إذ ستبدأ الانتخابات الأولية في الحزب الجمهوري يوم 3 كانون الثاني في أيوا لتمر في عملية من محطات انتخابية عديدة وتصل الى اختيار مرشح الحزب في نهاية شهر آب المقبل.
ويرى الكثيرون ان ميت رومني الحاكم السابق لولاية ماساتشوستس الذي يحل ثانياً حالياً وراء المرشح الشعبوي رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغرتش، هو ممثل المؤسسة التقليدية الجمهورية والأكثر قدرة على إسقاط الرئيس اوباما، إلا أن غينغرتش الذي يعتبره الكثير من المراقبين انه بمثابة الكاوبوي في الغرب الأميركي والذي يقدم نفسه على أنه رمز الخير ويطارد الأشرار في الداخل والخارج، يحمل خطاباً شعبوياً ويحظى بدعم "حزب الشاي" في مناخ مناهض للمؤسسة الجمهورية التقليدية. ورغم المزايدات في خطابات جميع المرشحين الجمهوريين من حيث دعم اسرائيل وإبداء التأييد المطلق لها وقد ذهب احدهم هرمن كاين الى ابداء استعداده لمساعدة إسرائيل في قصف إيران، إلا أن غينغرتش فاق الكثيرين عندما اعتبر ان الشعب الفلسطيني غير موجود أصلاً فظهرت عنده حال من الفلسطينوفوبيا.
سمتان اساسيتان تعبران عن حال التنافس بين المرشحين الجمهوريين، أولاهما قلة الخبرة والمواقف التبسيطية في ما يتعلق بالقضايا الخارجية، وثانيهما وجود فروق بينهما في الشدة والحدة تجاه المسائل الخارجية ذاتها مثل كيفية التعاطي مع الحليف الباكستاني او كيفية الخروج من افغانستان. المثير للاهتمام ان ثمة رهاناً عند المرشحين الجمهوريين على القدرة على جذب الصوت اليهودي الذي هو تقليدياً صوت مؤيد للمرشح الديموقراطي رغم ان الفرصة قائمة حالياً لانتزاع نسبة لا بأس بها من الأصوات اليهودية التي صوتت الى جانب اوباما قبل ثلاث سنوات حين حصل على 78% من الاصوات اليهودية كما يذكر بذلك ابرهام بن تسفي في إسرائيل. المشكلة أيضاً عند المرشحين الجمهوريين تتعلق بالتعامل مع الأزمة الاقتصادية الهيكلية، فهم ما زالوا بشكل اساسي مناهضين لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي ويريدون ترشيق هذا الدور اكثر ما يمكن من خلال تخفيض كبير للضرائب مقابل تأكيدهم على الحفاظ على الانفاق العسكري وهو أمر غير ممكن على صعيد الموازنة ولم يستطيعوا أن يقدموا عبر الكونغرس الذي يسيطرون عليه اي مقترحات اقتصادية عملية للخروج من الازمة رداً على محاولات الحزب الديموقراطي للانفاق وخفض الضرائب، وقد يبدو شعاراً جذاباً لكنه غير قادر أن يصمد على أرض الواقع. على الصعيد الديموقراطي بدأت الانتقادات الموجهة من يسار الحزب بالتراجع ولو بشكل طفيف لسياسات الرئيس اوباما، علماً ان بعض ابرز هؤلاء يعتبر ان اوباما كان عليه ان يكون رئيساً للفقراء والمهمشين والخاسرين من الازمة الاقتصادية لكنه اهتم بانقاذ المصارف وترك هؤلاء المهمشين وحدهم. كما يعتبرون ان اوباما حاول دائماً الحفاظ على التوافق، وهو أمر صعب في اللحظات الأزموية، وانه كان عليه أن يكون مثل الرئيس روزفلت في "العقد الجديد" وظهر وكأنه الرئيس كارتر في ضعفه. لكن في الخطابات الاقتصادية الأخيرة بدأ اوباما بالتحول من الحديث عن محاربة العجز الى الحديث عن اطلاق النمو وتعزيزه وحماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة المنهارة. وبذلك بدأ باتخاذ مواقف تلاقي بعض مواقف يسار حزبه.
وفي مجال السياسة الخارجية ما زال الرأي العام أكثر تأييداً له من تأييده لمواقف الجمهوريين خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاربة الإرهاب والانسحاب من العراق الذي تعتبره نسبة كبيرة من الأميركيين بمثابة المستنقع الذي على واشنطن الهروب منه بأسرع وقت ممكن وصار بمثابة هاجس وطني واسع، ثم التحضير للانسحاب من افغانستان الى جانب التحرك نحو الفضاء الآسيوي في دبلوماسية احد عناصرها الاساسية البحث عن اسواق للاقتصاد الأميركي، حتى ان أحد الكتّاب اليمينيين والقريبين من المحافظين الجدد مثل تشارلز كروثمر وصف اوباما بأنه يعبر بسياسته الخارجية عن"الواقعية الديموقراطية" وهي سياسة تحظى بالدعم إذ لا تحمل أي تكلفة أو مخاطر، كأن تؤيد الديموقراطية من دون ان توظف الامكانات المالية والبشرية الاميركية وراء أي سياسة الا اذا كانت هنالك مصلحة استراتيجية لاميركا في دعم تلك السياسة.
رغم ان المعركة الرئاسية ما زالت في بداياتها وان الناخب الأميركي في نهاية الأمر يدلي بصوته على أساس الشأن الاقتصادي الاجتماعي، إلا اذا كانت هناك أزمة خارجية حادة تؤثر بشكل كبير على موقع الولايات المتحدة وتعتبر بمثابة تهديد لهذا الموقع، عند ذلك يصبح التعامل مع هذه الازمة عنصراً مؤثراً في الناخب الأميركي. اضف ان اوباما قد خفض بشكل كبير سقف التوقعات في ما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي لمصلحة الاصطفاف مع الموقف الاسرائيلي وتلافي أي خطوة يمكن أن تؤدي الى خلاف مع الحكومة الاسرائيلية حالياً. هذا أيضاً عنصر مساعد للرئيس في معركة اعادة انتخابه الى جانب ان الولايات المتحدة بدأت تشهد حواراً عبر المؤسسة السياسية كلها بطرفيها الجمهوري والديموقراطي بشأن انتهاء الثورة الريغانية التي أتت بالاقتصاد النيو ليبرالي وقلصت الى ادنى حد الدولة كضامن وموازن وحام للطبقات الشعبية، مما يخدم مصلحة الحزب الديموقراطي على حساب الحزب الجمهوري أياً كان مرشح الحزب الأخير. لكن المعركة ما زالت في بداياتها وهي حاملة لمؤشرات أساسية حول المنحى الذي ستتخذه.